عجب والمشّاء إلى غير أرب « 1 » ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم . فاستحيوا من اللّه في سرائركم ، كما تستحيون من الناس في علانيتكم .
واعلموا انّ الكلمة من الحكمة ضالّة المؤمن ، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم .
يا هشام تعلم من العلم ما جهلت . وعلّم الجاهل ممّا علّمت . عظّم العالم لعلمه ودع منازعته . وصغّر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قرّبه وعلّمه .
يا هشام انّ كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها . وقال أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : « انّ للّه عبادا كسرت قلوبهم خشيته فأسكتتهم عن المنطق وانّهم لفصحاء عقلاء ، يستبقون إلى اللّه بالاعمال الزكيّة ، لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل ، يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنّهم لا كياس وأبرار » « 2 » .
يا هشام الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنّة والبذاء من الجفاء « 3 » والجفاء في النار .
يا هشام المتكلّمون ثلاثة : فرابح وسالم وشاجب « 4 » ، فأما الرابح فالذاكر للّه وأمّا السالم فالساكت ، وأمّا الشاجب فالذي يخوض في الباطل ، انّ اللّه حرّم الجنة على كلّ فاحش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه . وكان أبو ذرّ - رضي اللّه عنه - يقول :
« يا مبتغي العلم انّ هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر ، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك » .
هامش
( 1 ) المشاء : الكثير المشي . وأيضا النمام والمراد ههنا الأول . والإرب - بفتحتين - : الحاجة . وفي بعض النسخ ( إلى غير أدب ) .
( 2 ) الأكياس : جمع كيّس - كسيّد - الفطن ، الظريف ، الحسن الفهم والأدب .
( 3 ) البذاء : الفحش . والبذى - على فعيل - : السفيه والذي أفحش في منطقه .
( 4 ) الشاجب : الهذّاء المكثار أي كثير الهذيان وكثير الكلام . وأيضا الهالك وهو الأنسب .