يهرّ « 1 » بعضها على بعض ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها .
. . . واعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنّك في سبيل من كان قبلك ، فخفّض « 2 » في الطلب ، وأجمل « 3 » في المكتسب ، فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب « 4 » فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم ، وأكرم نفسك عن كل دنيّة « 5 » وإن ساقتك إلى الرغائب « 6 » ، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا « 7 » .
ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرا ، وما خير خير لا ينال إلّا بشرّ ، ويسر « 8 » لا ينال إلّا بعسر « 9 » ؟ .
وإيّاك أن توجف « 10 » بك مطايا « 11 » الطمع ، فتوردك مناهل « 12 » الهلكة « 13 » ، وإن استطعت ألّا يكون بينك وبين اللّه ذو نعمة فافعل ، فإنّك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك ، وإنّ اليسير من اللّه سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كلّ منه .
. . . ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك ، ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان ، ولا
هامش
( 1 ) يهرّ - بكسر الهاء - : يعوي وينبح وأصلها هرير الكلب وهو صوته دون حاجة من قلة صبره على البرد فقد شبه الإمام أهل الدنيا بالكلاب العاوية .
( 2 ) خفّض : أمر من خفّض - بالتشديد - : أي ارفق .
( 3 ) أجمل في كسبه : أي سعى سعيا جميلا لا يحرص فيمنع الحق ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق .
( 4 ) حرب - بالتحريك - : سلب المال .
( 5 ) الدنيّة : الشيء الحقير المبتذل .
( 6 ) الرغائب : جمع رغيبة ، وهي ما يرغب في اقتنائه من مال وغيره .
( 7 ) عوضا : بدلا .
( 8 ) اليسر : السهولة ، والمراد سعة العيش .
( 9 ) العسر : الصعوبة ، والمراد ضيق العيش .
( 10 ) توجف : تسرع .
( 11 ) المطايا : جمع مطية ، وهي ما يركب ويمتطى من الدواب ونحوها .
( 12 ) المناهل : ما ترده الإبل ونحوها للشرب .
( 13 ) الهلكة : الهلاك والموت .