فتفّهم يا بنيّ وصيّتي ، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفني هو المعيد ، وأنّ المبتلي هو المعافي ، وأنّ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلّا على ما جعلها اللّه عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد ، أو ما شاء ممّا لا تعلم . . .
فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك ، وإليه رغبتك ، ومنه شفقتك « 1 » .
واعلم يا بني أنّ أحدا لم ينبئ عن اللّه سبحانه كما أنبأ عنه الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) فارض به رائدا ، وإلى النجاة قائدا ، فإنّي لم آلك « 2 » نصيحة فإنّك لن تبلغ في النظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظري لك .
واعلم يا بني أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه في ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ولم يزل . أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية ، عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر ، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره « 3 » وقلّة مقدرته وكثرة عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربّه ، في طلب طاعته ، والخشية من عقوبته ، والشفقة من سخطه ، فإنّه لم يأمرك إلّا بحسن ولم ينهك إلّا عن قبيح .
. . . يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك .
واعلم أنّ الإعجاب « 4 » ضد الصواب ، وآفة الألباب « 5 » ، فاسع في
هامش
( 1 ) شفقتك : خوفك .
( 2 ) لم آلك النصيحة : أي لم أقصّر في نصيحتك .
( 3 ) خطره : أي قدره .
( 4 ) استحسان ما يصدر عن النفس مطلقا .
( 5 ) آفة : علّة .