كدحك « 1 » ولا تكن خازنا لغيرك « 2 » ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك .
. . . واعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء ، وتكفّل لك بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه .
. . . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب « 3 » رحمته ، فلا يقنّطك « 4 » إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النيّة ، وربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الآمل ، وربّما سألت الشيء فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له .
. . . يا بني ! أكثر من ذكر الموت ، وذكر ما تهجم عليه ، وتفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك « 5 » وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك « 6 » ، وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد « 7 » أهل الدنيا إليها ، وتكالبهم « 8 » عليها ، فقد نبأك اللّه عنها ، ونعت « 9 » هي لك عن نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية « 10 » ،
هامش
( 1 ) الكدح : أشد السعي .
( 2 ) خازنا لغيرك : تجمع المال ليأخذه الوارثون بعدك .
( 3 ) شآبيب : جمع الشؤبوب - بالضم - وهو الدفعة من المطر ، وما أشبه رحمة اللّه بالمطر ينزل على الأرض الموات فيحييها .
( 4 ) القنوط : اليأس .
( 5 ) الحذر - بالكسر - : الاحتراز والاحتراس .
( 6 ) بهر - كمنع - : غلب ، أي يغلبك على أمرك .
( 7 ) إخلاد أهل الدنيا : سكونهم إليها .
( 8 ) التكالب : التواثب .
( 9 ) نعاه : أخبر بموته . والدنيا بحالها عن فنائها .
( 10 ) ضارية : مولعة بالافتراس .