تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام الهداية — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
إليّ ، ما يزعني « 1 » عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما ورائي « 2 » ، غير أني حيث تفرّد بي دون هموم الناس همّ نفسي ، فصدفني « 3 » رأيي ، وصرفني عن هواي ، وصرّح لي محض أمري « 4 » ، فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب . ووجدتك بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتى كأنّ شيئا لو أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك كتابي مستظهرا به « 5 » إن أنا بقيت لك أو فنيت . فإني أوصيك بتقوى اللّه - أي بني - ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله . وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين اللّه إن أنت أخذت به ؟ أحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهادة ، وقوّه باليقين ، ونوّره بالحكمة ، وذلّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء « 6 » وبصّره فجائع الدنيا وحذّره صولة الدهر وفحش تقلّب الليالي والأيام ، وأعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا ، وأين حلّوا ونزلوا ، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، وحلّوا ديار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم . فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تكلّف . وخض الغمرات « 7 » للحقّ حيث كان ، وتفقّه في الدّين ، وعوّد نفسك التصبّر على المكروه ، ونعم الخلق التصبر في الحق ، وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك ، فإنّك تلجئها إلى كهف « 8 » حريز « 9 » ، ومانع عزيز .
هامش
( 1 ) يزعني : يكفّني ويصدني . ( 2 ) ما ورائي : كناية عن أمر الآخرة . ( 3 ) صدفه : صرفه . ( 4 ) محض الأمر : خالصه . ( 5 ) مستظهرا به : مستعينا به . ( 6 ) قرره بالفناء : اطلب منه بالإقرار بالفناء . ( 7 ) الغمرات : الشدائد . ( 8 ) الكهف : الملجأ . ( 9 ) حريز : الحافظ .
أعلام الهداية — صفحة 98 | المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف