فقال لي : هذا هو البحر الأبيض ، وتلك الجزيرة الخضراء ، وهذا الماء المستدير حولها مثل السّور من اىّ الجهات أتيته وجدته ، وبحكمة اللّه تعالى ان مراكب أعدائنا إذا دخلته غرقت وان كانت محكمة ببركة مولانا وامامنا صاحب العصر ( عجل اللّه تعالى فرجه الشريف ) . فاستعملته وشربت منه ، فإذا هو كماء الفرات .
ثمّ انّا لمّا قطعنا ذلك الماء الأبيضّ وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة آهلة ، ثم صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة الخضراء ودخلنا البلد ، فرأيته محصّنا بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطىء البحر ، ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والأثمار المنوّعة ، وفيها أسواق كثيرة ، وحمّامات عديدة ، وأكثر عمارتها برخام شفّاف ، وأهلها في أحسن الزيّ والبهاء ، فاستطار قلبي سرورا لما رأيته .
ثمّ مضى بي رفيقي محمد بعد ما استرحنا في منزله إلى الجامع المعظّم ، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر ( أن ) أصفه ، والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدين محمد العالم ، ويقرؤون عليه القرآن والفقه ، والعربيّة بأقسامها ، وأصول الدين والفقه الذي يقرؤونه عن صاحب الأمر ( عجل اللّه تعالى فرجه الشريف ) مسألة مسألة ، وقضيّة قضيّة ، وحكما حكما .
فلمّا مثلت بين يديه ، رحبّ بي وأجلسني في القرب منه ، وأحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرّفني انّه تقدّم اليه كلّ أحوالي ، وانّ الشيخ محمد رفيقي انّما جاء بي بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال اللّه بقاءه .
ثمّ أمر لي بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد ، وقال لي :
هذا يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة ، فنهضت ومضيت إلى ذلك الموضع ، فاسترحت فيه إلى وقت العصر ، وإذا أنا بالموكّل بي قد أتى اليّ وقال لي : لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لأجل العشاء معك ، فقلت : سمعا وطاعة .
الأربعون في المهدي ( ع ) وحكاية الجزيرة الخضراء — صفحة 239
مساهمون: السيد جلال الموسوي
ص٢٣٩