والسبب في هذا الامتحان هو أن ينكشف حال الإنسان بالنسبة إلى نفسه حيث أنه يخفى كثيرا حال الإنسان على نفسه . فيهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيا عن بينة .
والامتحان بغيبة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف من أشد الامتحانات ، وإن المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد ، هذا مضافا إلى أن في التصديق والالتزام والإيمان بما أخبره النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الأمور الغيبية امتحانا ، وهو ثمرة صفاء الباطن .
فامتحان الناس بغيبته عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف يكون عملا وعلما وإيمانا ، أما عملا فلما يحدث في زمن الغيبة من الفتن الشديدة الكثيرة ووقوع الناس في بليّات عظيمة بحيث يصير من أصعب الأمور المواظبة على الوظائف الدينية ، وأما علما وإيمانا فلأنه إيمان بالغيب فلا يؤمن به إلا من كمل إيمانه وقويت معرفته .
والحاصل أن الناس ممتحنون في الإيمان باللّه والتسليم والتصديق بما أخبر به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، إلّا أن الامتحان بالإيمان بالأمور الغيبية ربما يكون أشد من غيره ، وقد جاء وصف هؤلاء المؤمنين في قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . . .
وذلك لأن الإيمان بكل ما هو غيب عنا مما أخبر به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يحصل إلّا لأهل اليقين الذين نجوا من ظلمة وساوس الشيطان والشبهات .
ثانيا : مجازاة الأمة وتأديبها .
وذلك لأن الأمة إن لم تقم بواجبها تجاه الرسول والإمام من الامتثال لأوامره ونواهيه ومعاونته . بل عصته وتجاوزت الحد إلى أن صارت تؤذيه بكل وسيلة فإنه يجوز للإمام ترك هذه الأمة والاعتزال عنها لتأديبها وتحذيرها لعلها ترجع إلى الصواب وإلى رشدها وتدرك فوائد وجود الرسول والإمام بين أظهرها مبلغا هاديا ومرشدا داعيا .
والتاريخ يشهد لنا أن أهل البيت عليهم السّلام لاقوا أشد أنواع الأذى والشدائد من أسر وقتل وحبس وتشريد ونفي عن الأوطان مع عدم قيام الأمة بواجب حقّهم الذي أمرهم اللّه تعالى به وجعله أجر الرسالة .