فلما صرت في صحن القصر رأيت مائدة منصوبة . فمر بي الخادم إليها فأجلسني عليها ، وقال لي : مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك . . .
فقلت حسبي هذا برهانا . فكيف آكل ولم أر سيدي ومولاي . فصاح بي :
( أي الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف ) : يا عيسى ! كل من طعامك فإنك تراني . فجلست على المائدة فنظرت فإذا فيها سمك حار يفور . وتمر إلى جانبه أشبه التمور بتمورنا . وبجانب التمر لبن .
فقلت في نفسي : عليل وسمك وتمر ولبن ! ؟
فصاح بي : يا عيسى ! أتشك في أمرنا ؟ أفأنت أعلم بما ينفعك ويضرك ؟
فبكيت واستغفرت اللّه تعالى وأكلت من الجميع ، وكلما رفعت يدي منه لم يتبين موضعها فيه ، فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا .
فأكلت منه كثيرا ، حتى إستحييت ، فصاح بي : لا تستح يا عيسى فإنه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق . فأكلت فرأيت نفسي لا ينتهي عنه من أكله .
فقلت : يا مولاي حسبي . فصاح بي : أقبل إليّ .
فقلت في نفسي : آتي مولاي ولم أغسل يدي !
فصاح بي : يا عيسى وهل لما أكلت غمر ؟
فشممت يدي وإذا هي أعطر من المسك والكافور « 1 » . . .
ثانيا : محاولات الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف الاختفاء عن السلطات العباسية الحاكمة إختفاء تاما ، بشكل يأمن معه عدم وصولهم إليه ، أو العثور عليه ، أو معرفة مكان إقامته .
وقد اتخذ الإمام عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف بعض الإجراءات التي منعت من وصول هذا الخطر إليه . فلم يكن يسمح لأحد بمشاهدته ومعرفته إلا من يحرز فيه عمق الإخلاص - كما عرفنا فيما تقدم - وتأكيده على كل من يراه بعدم إفشاء مكانه ، ومنعه من
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 572 - 573 .