فيه بأقوالهم ، بما يوجب استمرار نشاطهم ، سهّلوا عليهم السّبل الموصلة إليه ، فيكون هذا هو الصلاح العامّ لهم في عرف العقلاء جمعاء ، وإن كانوا على عكس ذلك ؛ بأن ركنوا إلى الدّعة ، واستسلموا للصدف ، ونزلوا في حمأة السفه ، وارتكبوا الظلم والبغي وسوء الأدب ، وعدلوا إلى اللّهو والعبث ، وصرفوا الأموال في وجوه الفساد بدل الخيرات ، كان الأصلح لهم أن يقطعوا عنهم موارد السعة واليسار في الأموال ، وكان جزاؤهم - حين ذاك - الاستخفاف بهم والإهانة لهم ومؤاخذتهم بالعقاب على ما اقترفوا من الفساد ، وليس في هذا ما يلزم التناقض بين أغراض العقلاء ، وليس فيه تضادّ في صواب تدبيرهم وطلبهم الصلاح في الحالتين ، بل هو الصلاح عينه والحكمة نفسها .
وعلى هذا الوجه الذي حقّقناه دبّر اللّه تعالى عباده وأراد أن يعمّهم بصلاحه فأوجدهم وأعطاهم عقلا كاملا ، وكلّفهم بالأعمال الصالحة بعد أن فرض عليهم الإيمان به ليحلّيهم بالأخلاق الفاضلة والخصال الجميلة في هذه الحياة العاجلة ، ويمدحهم ويثني عليهم ثناء حسنا ويعطيهم ثوابا عظيما في الحياة الآخرة ، فإن فعلوا ما أمرهم به وانتهوا عمّا نهاهم عنه كان الواجب في الحكمة والمصلحة أن يمدّهم بما يزيدهم قربا منه ويسهّل عليهم السبيل .
والقرآن يقرّر هذا ويؤكّده بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمّد : 17 ] ، وقال تعالى :
وَالَّذِينَ