يعقوب عليه السّلام ، وهو نبيّ يأتيه الوحي من اللّه صباحا ومساء ، وكان أمره مطويّا عنه وعن أخوته وهم رأوه وتعاملوا معه ، كما جاء في كتاب اللّه :
فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
[ يوسف : 58 ] ، حتّى مضت على ذلك السنون ، وانقضت فيه الأزمان ، وبلغ من حزن أبيه على فقده ويأسه من بقائه وظنّه بهلاكه وخروجه من الدنيا بوفاته ما أوجب انحناء ظهره وإنهاك جسمه وذهاب بصره ببكائه عليه ، على ما حكاه اللّه تعالى من خبره في قرآنه ، وليس في عصرنا الحاضر مثل ذلك ، ولم نسمع بنظيره في غيره من الناس في العصور الأولى وما بعدها ، وكان من أمر نبيّ اللّه يونس بن متى عليه السّلام مع قومه وفراره منهم لمّا خالفوه واستخفّوا بحقّه ، وغيبته عنهم لذلك ، ومن الناس كافّة ، حتّى لم يعلم أحد مكانه إلّا اللّه تعالى وحده على ما حكاه قرآنه من بعثه من بطن الحوت ، ونظير ما ذكرنا قصّة أصحاب الكهف على ما نزل بخبرهم القرآن ، وجاءت به الآثار عندما فرّوا من قومهم فلم يعرف بمكانهم أحد ، وكلّ هذا وأضعاف أمثاله لا يوجد شيء منه في عادتنا وبعيد جدّا عن تعارفنا ، ولولا أنّ كتاب اللّه جاء على ذكر هؤلاء وأمثالهم وقصّ علينا من أخبارهم لتسرّع هذا المنكر إلى إنكار ذلك كلّه ، كما تسرّع إلى إنكاره الكافرون من الزنادقة والدهريّة ، وحكموا باستحالة صحّة الخبر به ، وإليك ما كان من أمر صاحب الحمار دليلا واضحا على ما نزل به القرآن ، وأنّه مرّ على قرية ، وهي خاوية على عروشها ، فاستبعد عمارتها وعودها إلى ما كانت عليه ،