جلاله أو ما جعل من الطريق إلى معرفتها ، كيف ؟ وقد ملؤا الطوامير من قوله : فلان من أهل الجنّة وفلان من أهل النّار وأشباه ذلك ، فلا مانع من أن يعلم جزما بضلال من يضلّ مع عدم الكتاب ، ويريد أن يكتب دفعا له يقول : كما قال .
والتصدي لدفع هذا المخوف منهم من كمال شفقته عليهم وإلّا فالنبي يبعثه اللّه تعالى
بَشِيراً وَنَذِيراً
« 1 »
بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
« 2 » و
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 3 » ولئلا يقول أحد
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
« 4 » و
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 5 » ولو ضلّ من هداهم
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
« 6 » عليهم .
ثمّ إنّ أمره الموعود في جوابه الكتاب المفيد لدوام الاهتداء والنجاة من الضلال فيه ، زيادة ترغيب على الإطاعة والامتثال ، حيث أبان أنّ إطاعتهم لها فائدة تعود إليهم ثمرة جليلة لما يتسامح طالبها . وهو دوام الاهتداء والأمن من مهكة عظيمة لا يغفل هاد بها وهو الضلال وكلهم أهلها ، وإنّ عليهم الحمل على الكتاب وإن لم يكن أمرهم ووعدهم حرصا على تلك السعادة وفرارا عن تلك الشقاوة ، فكيف بعد ما أمرهم وحثّهم !
وإذا عرفت هذا ظهر لك أنّ الباعث إلى الكتاب المزبور كان وجد له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ووجوده قريب جدّا لا غريب وأنّه كان للحاضرين ، بل وغيرهم أيضا من محض الرحمة ، بل من الرحمات الخاصة التي لا يتصور فيها جهة أخرى بوجه من الوجوه ، فكان خيرا محضا لهم ليس فيه شائبة شرّ عليهم أصلا . وهذا يقتضى غاية
هامش
( 1 ) البقرة : 2 ، الآية 119 .
( 2 ) سبأ : 34 ، الآية 46 .
( 3 ) النساء : 4 ، الآية 165 .
( 4 ) طه : 20 ، الآية 134 .
( 5 ) الأنفال : 8 ، الآية 42 .
( 6 ) الأنعام : 6 ، الآية 149 .