الخطّاب إلى الرّسول صلّى اللّه عليه واله خاصة ومنها قوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
« 1 » ، فالآيات هنا تبين المشورة باللّين ، والرّفق ، والرّحمة ، ولم تأمره صلّى اللّه عليه واله بأن يعمل برأيهم ، وذلك بدليل قوله تعالى :
. . . فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . .
« 2 » ، يعني إذا عزمت على أمر ما فاعمل برأيك لا برأيهم ، على الرّغم من أنّ المشاورة مطلوبة ، ولا تدل هذه الآيات على البيعة ، أو الانتخاب بالشّورى ، أو ترك الأمّة بيدها في حضور المعصوم ؛ لأنّه صلّى اللّه عليه واله أولى بهم من أنفسهم كما قال تعالى :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . .
« 3 » ، فإذا كانت له الولاية على النّفوس فما قيمة الولاية على الأمور الأخرى ، وخاصة الغزوات ، بل إنّ الولاية هنا واضحة كما يقول الأصوليون .
أمّا استدلالكم بأنّه صلّى اللّه عليه واله كان يستشير أصحابه ، فهذا لا بأس به من باب مجرد الاستشارة ، والاستضاءة بالأفكار ، ولو بهدف تعويد الأمّة على ذلك ، أو بهدف اشتراكهم في المسؤولية ، وتحسيسهم بتحمّل العبء ، « 4 » وأنّ مشاورة الرّسول صلّى اللّه عليه واله لأصحابه كانت في الغزوات فقط ، كما صرح بذلك أبو هريرة الدّوسيّ قال : « لم أر أحدا أكثر مشورة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، وكانت مشاورته أصحابه في الحرب فقط » . « 5 » وها هي غزوة بدر شاهد على ذلك ، فعندما أتاه خبر قافلة قريش
هامش
( 1 ) آل عمران : 159 .
( 2 ) آل عمران : 159 .
( 3 ) الأحزاب : 6 .
( 4 ) انظر ، ولاية الأمر لآية اللّه السيّد الحائريّ : 166 ، مع هامش رقم ( 2 ) للفائدة .
( 5 ) انظر ، كتاب المغازيّ للواقديّ : 2 / 580 ، تحقيق الدّكتور « مارسدن جونس » .