يعرض عنه رسول اللّه ؟ صلّى اللّه عليه واله وقطعا إنّ أبا بكر قال مثل مقولة عمر إن لم تكن أشد وأكثر يأسا ، وخوفا ، واضطرابا من جهة ، وتمجيدا بقريش وخيلائها من جهة أخرى ، ولذا لم يذكر ابن هشام في سيرته ما قاله أبو بكر وعمر ، ولم يذكر إعراض الرّسول صلّى اللّه عليه واله عنهما ، بل اكتفى بلفظ : « فقام أبو بكر فقال وأحسن ، ثمّ قام عمر فقال وأحسن . . . » . « 1 » أهذه هي الأمانة التّأريخية ؟ أهذه هي الأمّة الّتي تريد أن تعطيها حقّ البيعة ، وإختيار إمامها والّتي لا تستطيع أن تنقل لنا واقعة تأريخية بسيطة بأمانة ، وصدق ؟ فكيف تضمن سلامة انحرافها في الشّورى ، أو البيعة لأمر عظيم ، وخطير جدا يقوم مقام النّبوّة . . . ؟ وهذا لا يعني انعدام الضّمائر الحيّة ، وأصحاب الأقلام الشّريفة ، والأمينة ، والرّجال الأبطال الّذين خلدهم التّأريخ ، وأصحاب المواقف الّذين بذلوا مهجهم وفارقوا أزواجهم و . . . ومن أجل عقيدتهم ، كأمثال المقداد الّذي قام وقال : « يا رسول اللّه ، إمض لأمر اللّه فنحن معك ، واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيّها :
. . . فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 2 » ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ؛ والّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ، « 3 » فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله خيرا ودعا له بخير . وأعتقد أنّ عمر لم يسمع بهذه الآية كما لم يسمع أختها يوم وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه واله فكأنّ به داء النّسيان للآيات فقط . وهذا مما يدل على قوة ذاكرته وشجاعته ، ثمّ قال رسول
هامش
( 1 ) انظر ، السّيرة لابن هشام : 2 / 253 .
( 2 ) المائدة : 24 .
( 3 ) برك الغماد مكان يبعد عن مكّة مسافة سير خمس ليال من وراء السّاحل وهو على بعد سير ثماني ليال من مكّة إلى اليمن . معجم البلدان ومراصد الاطلاع .