لنا : أمّا على الاوّل : فلأنّ المخصّص بالمنفصل مجاز كما بيّنّاه ، فلا بدّ له من علاقة المصحّحة للتجوّز . ولا يمكن أن يكون هي علاقة الجزء والكلّ حتى يصحّ تخصيصه إلى الواحد ، لأنّ كلّ واحد من أفراد العام ليس جزء له . كيف ، ومدلول العام كلّ فرد فرد لا مجموع الأفراد ، وإنّما يتصوّر في مدلوله يحقّق الكلّ والجزء لو كان بالمعنى الثاني وليس كذلك . فالعلاقة المصحّحة إنّما هو علاقة المشابهة أعنى الاشتراك في صفة ، إذ لا علاقة غيرها وهي هنا الكثرة . فلا بدّ في استعمال اللفظ العام في الخصوص من تحقّق كثرة تقرب من مدلول العام ، ليتحقّق المشابهة المعتبرة لتصحيح الاستعمال .
وبهذا ظهر وجه قولنا : إلّا أن يستعمل في حقّ الواحد على سبيل التعظيم ، فإنّ العلاقة المذكورة حينئذ موجودة ، إذ العظمة شبيهة بالكثرة .
وأيضا : إنّا نقطع بقبح قول القائل « أكلت كلّ رمّانة في البستان » وفيه آلاف وقد أكل واحدة أو ثلاثة . ولا كذلك لو أريد من اللفظ كثرة قرينة من مدلوله . والسرّ فيه ما ذكرناه من عدم وجود العلاقة المصحّحة .
وأمّا على الثاني : فلأنّ العام المخصّص بالمتصل حقيقة كما حقّقناه فلا يحتاج إلى علاقة ، فكما يجوز إخراج القليل يجوز إخراج الكثير والأكثر من غير فرق إلى أن يبقى واحد ، لئلّا يلغو العام . نعم إذا بلغ حدّا استهجنه العرف لشئ يوجب ذلك يجب تنزيه كلام الشارع عنه ، كقول القائل « أكلت كلّ رمّانة في البستان إلّا الحامض منه » وفيه آلاف كلّها حامض إلّا واحد . فإنّه يعدّ مستهجنا لإيهامه من أوّل الأمر أنّ غير الحامض أكثر ، وهو خلاف الواقع .
احتجّ مجوّز التخصيص إلى الواحد مطلقا : تارة بأنّ استعمال العام في غير الاستغراق مجاز ، وليس بعض الأفراد أولى من البعض ، فوجب جواز استعماله في جميع الاقسام إلى أن ينتهى إلى الواحد . وجوابه يظهر من دليلنا السابق .
وتارة بقوله تعالى
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
« 1 » والمراد نعيم بن مسعود باتّفاق المفسّرين ، ولم يعدّه أهل اللسان مستهجنا لوجود القرينة . فوجب جواز التخصيص إلى الواحد مهما وجدت القرينة وهو المدّعى .
والجواب : إنّ المراد بالناس في الآية الجنس وإن كان في الواقع شخصا معيّنا . ففيه إشارة إلى أنّه فعل ذلك من حيث إنّه هذا الجنس ، واطلاق الجمع المعرّف باللام على الجنس شايع كما صرّح به بعض الفضلاء . على أنّ نزول الآية في نعيم بن مسعود لم يثبت من طرقنا فلا يصير
هامش
( 1 ) - آل عمران : 173