إذا عرفت هذه الأمور فاعلم أنّ العدم الأزلي قد انتقض في أوّل البلوغ بحكم من الأحكام ، ومقتضاه عدم جريان الاستصحاب فيه أصلا للعلم بانتقاضه بتشريع الدين ، وحينئذ فإذا شك بعد البلوغ في وجوب شيء أو حرمته لا يجري فيه استصحاب عدم المحمولي الأزلي للقطع بانتقاضه ، فإذا دار أمر المجعول المشكوك فيه بين الأحكام الخمسة أو اثنين منها أو أزيد لا يجري استصحاب العدم في شيء منها ، مع العلم بالانتقاض لمنافاة نفس العلم بالانتقاض للاستصحاب ، على ما هو الحق من كون المانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي نفس العلم لا المخالفة القطعية العملية ، ففي المقام إذا شك بعد الزوال في بقاء وجوب الجلوس لا يجري فيه استصحاب عدم الوجوب حتى بناء على قيدية الزمان للحكم أو الموضوع ، وذلك لأنّ العدم المحمولي قد انتقض قطعا بوجوب الجلوس إلى الزوال ، وعدم وجوبه فيما بعد الزوال ليس ذلك العدم المحمولي لأنّه مطلق ، وعدم وجوبه بعد الزوال مقيد بكونه بعد الزوال ، ومن المعلوم مغايرة العدم المطلق للعدم المقيد ، فاستصحاب العدم بعد الزوال لا يجري لعدم اليقين السابق ، نعم إذا كان الزمان ظرفا فلا مانع من جريان استصحاب الوجوب لاجتماع أركانه .
والحاصل أنّ استصحاب العدم لا يجري لانتقاض العدم المطلق وهو الأزلي ، واستصحاب العدم المقيد وهو عدم وجوب الجلوس المقيد بما بعد الزوال لا يجري أيضا ، لأنّه منوط بوجود الزوال وعدم وجوب الجلوس فيه في الآن الأوّل حتى يشك فيه في الآن الثاني ليستصحب ، وبعد عدم جريان الاستصحاب العدمي تصل النوبة إلى أصل البراءة ، فيقال : إنّه يشك في جعل الوجوب للجلوس بعد الزوال ، ومقتضى أصل البراءة عدمه ، فما أفاده الشيخ قدّس سرّه « 1 » من جريان استصحاب العدم في صورة قيدية الزمان مما لا يمكن المساعدة عليه فضلا عن معارضة الاستصحاب الوجودي
هامش
( 1 ) فرائد الأصول / 376 .