[ ماهية الأحكام الوضعية ]
ولا يخفى أنّ عمدة ما دعا الميرزا النائيني قدّس سرّه وغيره إلى تعرض التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية هي بيان ماهية الأحكام الوضعية وعددها ،
والميرزا النائيني قدّس سرّه قبل الخوض فيها مهّد أمورا :
[ الأمر الأول : توقف مجعولية الحكم الوضعي على إنشائية الأحكام التكليفية ]
الأمر الأوّل : أنّ النزاع في مجعولية الأحكام الوضعية مبني على الالتزام بالجعل والإنشاء في الأحكام التكليفية ، وإلّا - كما عن بعض - فلا يبقى مجال لهذا النزاع .
لكن الحق عدم توقف مجعولية الحكم الوضعي على إنشائية الأحكام التكليفية ، لأنّ بعض من ينكر الجعل في التكليفيات كالفقيه اليزدي على ما في درره يلتزم بالإنشاء في الزوجية والملكية ، ولذا يشترط في صيغتي النكاح والبيع قصد الإنشاء وصيغة خاصة ، فإنكار الإنشاء في الأحكام التكليفية لا يلازم إنكاره في الوضعيات ، فالجعل في الوضعيات ليس مبنيّا على الجعل في التكليفيات ، فهذا الأمر الذي ذكره الميرزا النائيني قدّس سرّه ليس مما يتوقف عليه الجعل والإنشاء في الوضعيات ، نعم هو مطلب علمي لا بأس بالبحث عنه إجمالا .
[ أدلة منكري الجعل والإنشاء في التكليفيات والإشكال عليها ]
فنقول : إنّه قد ذهب بعض إلى إنكار الجعل والإنشاء في التكليفيات ، وجعل الخطابات الشرعية مخبرة عن الصلاح والفساد والحب والبغض نظير الإخبار عن الأمور الخارجية كعلم زيد وشجاعة عمرو وفقر بكر وغير ذلك .
واستدل بعض المنكرين بعدم إمكان انقداح الإرادة ومباديها في المبدأ الأعلى ، لاستلزام ذلك كونه تعالى محلا للحوادث - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - فلا بد من كون الخطابات كاشفة عن كون الفعل الكذائي ذا صلاح أو فساد ، واستدل بعض آخر منهم بعدم علّية الألفاظ للإيجاد لعدم تأثيرها في وجود شيء ، إذ لا سنخية بين الألفاظ وبين وجود شيء بها حيث إنّ الألفاظ تستعمل في معانيها دون أن يوجد بها شيء .