إذ في هذا المثال كما يمكن جريان استصحاب النجاسة في كلا الإنائين كذلك يمكن جريان قاعدة الاشتغال فيهما ، مع أنّ الشيخ قدّس سرّه بنى على جريان قاعدة الاشتغال في أطراف العلم الإجمالي لا الاستصحاب ، فما الفرق بين الموارد .
ويمكن أن يقال : إنّ نظر الشيخ الأنصاري قدّس سرّه إلى أنّ مورد القاعدة هو ما إذا كان موضوع الحكم هو نفس الشك من حيث هو من دون دخل للواقع أصلا وهو المعبر عنه في لسان الميرزا النائيني قدّس سرّه بذي حكم واحد كحكم العقل والشرع بقبح التشريع وحرمته ، فإنّ الموضوع نفس الشك في كون شيء من الدين كما يدل عليه الخبر « 1 » الدال على تربيع القضاة وكون الناجي منهم واحدا والثلاثة الباقون في النار ومنهم من قضى بالحق وهو لا يعلم .
ومورد الاستصحاب هو ما إذا كان الأثر مترتبا على الواقع لا نفس الشك ، فحينئذ يكون للعقل حكمان ، أحدهما : نفسي متعلق بالواقع ، والآخر : طريقي في ظرف الشك فيه كما في باب الضرر ، فإنّ الحكم بواقعه نفسي وفي ظرف الشك فيه طريقي ، وهذا القسم يعبر عنه بذي حكمين ، فإذا كان نظر الشيخ الأنصاري قدّس سرّه إلى هذا كما يشير إليه في مبحث تأسيس الأصل عند الشك في الحجية في أول مباحث الظن « 2 » ، فنقول : إنّ الاستصحاب لا يجري فيما كان من أطراف العلم الإجمالي موضوعه نفس الشك الذي هو موضوع قاعدة الاشتغال ، حيث إنّ موضوعها هو الشك في الفراغ بعد العلم بشغل الذمة من دون نظر إلى الواقع أصلا وإنما لا يجري الاستصحاب فيه لعدم ترتب الأثر على الواقع بل على الشك ، فإجراء الاستصحاب فيه يكون من إحراز ما هو محرز وجدانا بالتعبد وهو من أردإ وجوه تحصيل الحاصل المحال ، وفيما كان موضوعه نفس الواقع الذي يحرز تارة بالوجدان وأخرى بالأصل لا مجال للقاعدة ، ففي مثال الإنائين النجسين اللذين علم بطهارة أحدهما إجمالا
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 27 / 22 ، الحديث 33105 .
( 2 ) فرائد الأصول / 31 .