ونظير ما دلّ على تنزيل الدنيا الميتة في الاحتراز عنها وعدم التصرف فيها إلّا بمقدار التصرف في الميتة بالأكل منها لحفظ النفس فإنّ تنزيل الدنيا منزلة الميتة يقتضي كون الشبهات موضوعية ، بتقريب : أنّ حكم الميتة معلوم ، إذ المقدار الحافظ للنفس واجب والزائد عليه حرام والمقدار الذي يشك في اندراجه في القسم الأوّل أو الثاني هو الشبهة الموضوعية ، وففيه : أنّ الغرض من التنزيل هو الاحتراز عن أصل الدنيا وما فيها وعدم التصرف فيها إلّا بمقدار يأكله المضطر من الميتة لحفظ نفسه وسدّ رمقه وليس الغرض منه إرادة الشبهات الموضوعية ، نعم لا بأس باستدلالهم على جريان البراءة في الشبهات الموضوعية ببعض روايات البراءة كقوله عليه السّلام : « كل شيء فيه حلال وحرام . . . » فإنّه ظاهر في خصوص الشبهات الموضوعية كما تقدم ، ومن المعلوم أنّه أخص من أخبار الاحتياط فيخصصها بالشبهات غير الموضوعية فيجب الاحتياط في غير الشبهات الموضوعية .
ولكن فيه : أنّ في أخبار البراءة ما هو أعم من الشبهة الموضوعية والحكمية ، ولا يقيد بما دلّ على البراءة في خصوص الشبهات الموضوعية لكونهما من المثبتين اللذين لا تنافي بينهما ، فتكون النسبة حينئذ بين أخبار الاحتياط وبين أخبار البراءة العامة لكل من الشبهة الحكمية والموضوعية التباين ، فلا بد حينئذ من إجراء قاعدة التعارض وأحكامه .
إلّا أن يقال بانقلاب النسبة ، ببيان : أنّ أخبار الاحتياط وإن كانت شاملة لجميع الشبهات كبعض أخبار البراءة واللازم كون النسبة بينهما التباين ، إلّا أنّ أخبار الاحتياط تخصص بما دلّ من أخبار البراءة على خصوص الشبهة الموضوعية « 1 » فتصير أخبار الاحتياط أخص مما دلّ على البراءة في مطلق الشبهات ويخصص بها
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 24 / 236 ، الحديث 30425 .