بعد حكم العقل الضروري بقبح العقاب على المجهول الذي لا يقبل التخصيص لا بد أن يكون العقاب بعد تنجز المجهول بمنجز ، وليس ما يصلح للمنجزية إلّا إيجاب الاحتياط الذي مرجعه إلى تنجيز احتمال الواقع في كل شبهة ، فيستكشف من هذا اللازم - أعني العقاب ببرهان الإن - وجوب الاحتياط في الشبهات ، وأخبار البراءة تنفي وجوب الاحتياط وتثبت الترخيص ، والترخيص والاحتياط متنافيان ، إذ مقتضى وجوب الاحتياط هو فعلية الحكم من جميع الجهات المراد بها حفظ الواقع حتى في ظرف الشك ، ومقتضى الترخيص عدم الفعلية كذلك وهما في غاية التهافت .
[ في الجمع بين أخبار التثليث وأخبار البراءة ]
وملخص وجه الجمع بين أخبار التثليث وأخبار البراءة هو : أنّ أخبار التثليث تكون في حكم الحاكمين وهو يكون في التنازع والمخاصمة في الماليات ، إذ في غيرها لا خصومة حتى يرجع في رفعها إلى الحاكم ، فإنّ فتوى أحدهما إذا كانت وجوب السورة وفتوى الآخر عدم وجوبها فكل يعمل بمقتضى فتواه ولا نزاع ، وأما إذا لم يمكن العمل كما إذا كانت فتوى أحدهما طهارة الغسالة والآخر نجاستها ، ولاقت الغسالة دهنا ثم بيع الدهن ، فإنّه يقع النزاع في دفع بدل الدهن إلى مالكه إذ فتوى مالك الدهن طهارة الغسالة الملاقية للدهن ، فالبيع صحيح ويطالب ثمن الدهن والمشتري يفتي بنجاسة الغسالة ، فالبيع عنده باطل وليس عليه بدل الدهن ، ولا يمكن لكل من البائع والمشتري العمل بفتواه فيقع النزاع بينهما ، فلا بد حينئذ من الترافع عند الحاكم ، وحكمه نافذ عليهما ، فإذا حكم بصحة البيع مثلا يكون هذا الحكم ناقضا لفتوى المشترى بنجاسة الغسالة ، والظاهر التسالم على انتقاض الفتوى بالحكم .
فعلى ما ذكرنا من اختصاص أخبار التثليث بالماليات تكون أخص من أخبار البراءة لشمولها للماليات وغيرها فتخصص بأخبار التثليث ، وتجري البراءة في غير