أدلة الاحتياط على أدلة البراءة ، فمورد قاعدة دفع الضرر المظنون والمحتمل هو ما لم يكن الجهل فيه عذرا للعبد كالشبهات البدوية قبل الفحص وفي الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي التي تنجز فيها التكليف بقيام الحجة العقلية عليه .
وأما قاعدة قبح العقاب بلا بيان فهي تجري في الجهل العذري كما إذا احتمل الحكم وتفحص عنه إلى أن اطمأن بالعدم أي عدم الحجة على الواقع ، فحينئذ إذا كان في الواقع حكم إلزامي وخالفه العبد لجهله به والمفروض عدم قيام حجة عليه حتى إيجاب الاحتياط ، فالعقل يستقل بقبح العقاب عليه لأنّ التكليف بوجوده الواقعي لا يصلح للمحركية والبعث ، بل لا بدّ في تحريكه من وصوله إلى العبد ولو بطريقه وهو إيجاب الاحتياط الذي هو متمم لقصور محركية الخطاب الواقعي المجهول ، فإذا لم يصل إلى العبد مع بذل جهده في الفحص عن ذلك فلا شبهة في قبح مؤاخذته عقلا على المخالفة على التكليف المجهول .
والحاصل أنّ العقاب مترتب على التكليف المنجز المنوط بقيام حجة عليه ، فإن كان ملاك الحكم الإلزامي مهمّا في نظر الشارع فيوجب الاحتياط في ظرف الشك لئلا يفوت الواقع كما أوجبه في الموارد الثلاثة أعني الدماء والفروج والأموال ، وإن لم يكن بتلك المثابة من الأهمية فلا يجعل وجوب الاحتياط بل يرشد إلى عدم جعله بمثل قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم « 1 » رفع ما لا يعلمون ، مضافا إلى حكم العقل بقبح العقاب بدون البيان .
فاتضح ممّا ذكرنا أنّ الظن بالعقاب إنّما يكون في غير مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان فتأمل جيدا .
الأمر الثالث : أنّ حكم العقل بلزوم دفع الضرر العقابي المظنون لا يستتبع
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 7 / 293 ، الحديث 9380 .