المخصّص . وعلى تقدير عدم اندفاع الاحتمال المذكور لا محيص إلّا عن الاحتياط وعدم حجيّة شيء من العمومات والمطلقات .
وأما الأخبار الناهية عن التفسير بالرأي فهي أجنبية أيضا عن المقام إذ الظاهر غير التفسير ، فإنّ التفسير كما قيل استظهار المعنى من اللفظ بإعمال رأي ونظر وحدس ومن المعلوم أنّ الظاهر ليس كذلك ، لأنّ كلّ عالم بلغة إذا القي إليه لفظ من تلك اللغة يعلم ما هو معنى اللفظ من دون إناطته بشيء غير علم السامع بوضع اللفظ للمعنى الفلاني . ومن المعلوم أن أبا حنيفة وأضرابه كانوا من أهل اللسان ويفهمون معنى قوله تعالى
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 1 » و
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 2 » ونحو ذلك من الآيات الأحكامية التي لا يحتاج استظهار المعنى منها إلى الرجوع إلى اللغة .
فتلخص : أنّ ما نسب إلى المحدثين إن كان مرجعه إلى إنكار أصل الظهور في الكتاب العزيز ، ففيه ما لا يخفى لكونه إنكارا للأمر الوجداني . وإن كان مرجعه إلى إنكار حجيّته ، فإن أريد بذلك عدم حجيّته مطلقا فقد عرفت ما فيه أيضا ، وإن أريد به عدم حجيّته قبل الفحص عن المخصّص والمقيد الموجودين في الروايات فهو متين ولا ينكره أحد من الأصوليين ، فلا نزاع حينئذ بين المحدثين والأصوليين كما لا يخفى .
[ تعدد القراءات في القرآن وتفصيل المحدثين بين ظواهر الكتاب وظواهر السنة ]
ولعل نظر من فصّل من المحدثين بين ظواهر الكتاب وبين ظواهر السنة بحجيّة ظواهر السنة دون ظواهر الكتاب ، إلى أنّ تعدّد القراءات في الكتاب العزيز مع معلومية وحدة ما نزل من اللّه عزّ وجل على سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وآله وسلم ولو على تقدير تكرر نزول آية كآية
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
يوجب اشتباه ما نزل فلا يحرز قرآنية شيء من هذه القراءات حتى يكون ظاهرها ظاهر الكتاب ، وذلك لأنّه بعد الالتزام بوحدة الكيفية في ما نزل يكون تعدّد القراءات المنتهية بطرق مختلفة غير معتبرة عندنا إلى
هامش
( 1 ) البقرة : 275 .
( 2 ) المائدة : 1 .