الأمر الثاني : العلم الإجمالي بوجود مخصصات كثيرة في الشريعة غاية الكثرة حتى قيل : ما من عام إلّا وقد خصّ ، وهذا العلم يمنع عن حجيّة العمومات ؛ إذ البناء على حجيّتها وعدم الفحص عن المخصصات يوجب مخالفة التكاليف بالضرورة ، نظير جريان البراءة في الشبهات البدوية قبل الفحص المستلزم للخروج عن الدين .
وفي كلا الوجهين ما لا يخفى ، إذ في الأوّل : أنّ لازمه عدم إجداء الفحص عن المخصص إلّا إذا أفاد القطع بعدم المخصّص ، وأما مع عدم إفادته له فعدم جواز التمسك بالعام باق على حاله ، والغالب بل الدائم عدم إفادة الفحص للعلم بعدم المخصص لاحتمال كونه في كتاب لم يظفر به الفاحص .
[ مانعيّة العلم الاجمالي بوجود مخصّصات في الشريعة عن جريان أصالة العموم ]
وفي الثاني : أخصّيّته من المدّعى وعدم وفائه بتمام المدّعى ، وهو عدم جواز التشبث بكل فرد من أفراد العام .
توضيحه : أنّ المعلوم بالإجمال إذا كان ألف مخصص مثلا بحيث كان الزائد عليه مشكوكا فيه ، فإذا ظفرنا بهذا المقدار من المخصصات فلا محالة ينحل العلم الإجمالي ويصير الزائد مشكوكا فيه فينفى بأصالة عدم التخصيص ، إذ لا يلزم حينئذ محذور من الرجوع إلى هذا الأصل بعد فرض انحلال العلم الإجمالي ، فهذا الوجه يختص بما إذا لم ينحل العلم الإجمالي ، والمدّعى كما عرفت أعمّ من ذلك كما هو واضح ، فتلخص ممّا ذكرنا أنّ شيئا من هذين الوجهين لا يصلح لإثبات عدم جواز العمل بالعام قبل الفحص .
[ مقامان : ]
والحاصل : أنّ البحث في هذا الفصل يقع في مقامين ، الأوّل : في أصل وجوب الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام ، والثاني : في مقدار الفحص بعد إثبات وجوبه ، وأنّه لا بدّ من كونه بمثابة يوجب العلم بعدم المخصص واقعا أو بعدم إمكان