الثالث : أنّ الإنسان بعد الموت يكون جمادا كسائر الجمادات لا إدراك ولا شعور له ، كما هو مشاهد بالوجدان ، فكيف يبقى له رأي ؟ وهل هذا إلّا وجود الصفة بدون الموصوف ، والعرض بلا معروض ؟
ولكن أنت خبير : بأنّ هذا الكلام لا يستقيم إلّا على مذهب من يقول بأنّ من مات فات وينكر الحشر والنشور أو من ينكر تجرّد النفس وبقاءها بعد بوار البدن ، ولا بدّ له حينئذ من القول بأنّ المعاد خلق جديد أو إعادة للمعدوم ، وهذه أمور يتنفّر عنها الطبع الصحيح وينكرها العقل الصريح ، ومخالف لما صدر مستفيضا بل متواترا من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيت العصمة عليهم السّلام بل القرآن الكريم في موارد متعدّدة وآيات كثيرة .
نعم ، لو وصل الأمر إلى الشكّ وأنّه هل يبقى الرأي للميّت ؟ ربّما يقال بأنّ العرف لا يساعد على جريان الاستصحاب من جهة أنّه يرى للموصوف بالرأي السابق ؛ أي في القضية المتيقّنة غير من هو صاحب الرأي في القضية المشكوكة ؛ أي يرى الحيّ والميّت موضوعين ، ولذلك لا يجري الاستصحاب إذا قلنا بأنّ المناط في وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة بنظر العرف كما هو الصحيح .
ولكن أنت خبير : بأنّه لا يصل الأمر إلى الشكّ ، بل الرأي باق ، وقد بيّنا أنّه بعد حصول الملكة للنفس لا تزول ببوار البدن وخرابه .
وأمّا ما يقال من أنّه نرى بالعيان أنّه لو حصل اختلال في البدن يؤثّر هذا الاختلال في النفس ، كما أنّه لو وقع ضرب شديد على هامته أو سقط من مكان عال يختلّ أفكاره ؛ لاختلال دماغه بواسطة تلك الضربة أو تلك السقطة ، فلا يمكن إنكار تأثير اختلال البدن في اختلال الأداء والأفكار .
قلنا : لا شكّ أنّ النفس في حال تعلّقها بالبدن تكون صورة والبدن مادّة لها ، وقد تحقّق في محلّه : أنّ التركيب بين المادّة والصورة اتحادي ، فتكون
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 824
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٨٢٤