والجواب : أنّ هذا توهّم محض ؛ لأنّ النفس كلّ صورة علمية حصلت لها من تصوّر أو تصديق أو ملكة من الملكات الفضيلة أو الرذيلة تحشر مع تلك الملكات والصور - علمية كانت أو ظنّية - لا تزيد ولا تنقص ، كما هو محقّق في محلّه .
وبعبارة أخرى : النفس في بدأ خلقتها ليس فيها شيء من العلوم والصور حتّى البديهيات ، بل صرف استعداد لتحصيل العلوم ، ولذلك تسمّى النفس في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني ، وبعد ما وهبها اللّه تعالى البديهيات فإذا شرع في التكسّب يحصل من هذه التصوّرات البديهية والتصديقات البديهية ، التي وهبها اللّه لها التصوّرات النظرية والتصديقات النظرية .
فكلّ شيء اكتسبها وحصل لها من الصور العلمية من التصوّرات والتصديقات يبقى له إذا كان في حال الحياة بلغ إلى مرتبة العقل بالفعل ، وكلّ شيء لم يكتسبه ولم يحصله باقية على جهلها بالنسبة إليه .
ولعلّ هذا هو المراد من قوله تعالى :
مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى
« 1 » ، فدعوى أنّ جميع الواقعيات ينكشف له لا أساس له ، هذا .
مع أنّه يمكن أن يقال : فبناء على ما ذكر من المحتمل بقاء الرأي ، غاية الأمر كان ظانّا به وبعد الموت يصير متيقّنا ، واختلاف الظنّ واليقين لا يوجب تبدّل الرأي ، فيستصحب بقاؤه وأثره بقاء حجّيته .
والحاصل : أنّ الرأي عبارة عن تلك القضية الذهنية ، والظنّ واليقين يتعلّقان بنسبة تلك القضية ، ومعلوم أنّ اختلاف نسبتها من حيث الشكّ واليقين لا يضرّ بوحدة القضية ؛ لأنّ اليقين : إمّا عبارة عن تأكّد الاعتقاد بوقوع النسبة أو لا
هامش
( 1 ) - الإسراء ( 17 ) : 72 .