فالمرجّحات الصدورية لها فرق مع المرجّحات الجهتية والمضمونية من حيث ما يخصّص بها ، فلا يمكن أن يكون مرجعهما إلى شيء واحد ، فإحداهما موجبة للتصرّف في عموم أدلّة حجّية خبر الواحد أو إطلاقها ، والأخرى موجبة للتصرّف في الأصول العقلائية كما شرحناه .
ثمّ إنّ هاهنا إشكال : وهو أنّ من شرائط حجّية الخبر الواحد أن لا يكون مخالفا للكتاب ؛ لما ورد من الأخبار الكثيرة بأنّ « ما خالف قول ربّنا لم نقله » أو « باطل » أو « زخرف » أو « اطرحه على الجدار » « 1 » وأمثال ذلك من التعبيرات .
فبناء على هذا : الخبر المخالف للكتاب ليس بحجّة ، وكذلك الخبر الموافق للعامّة مقابل الخبر المخالف لهم ليس بحجّة ؛ لعدم جريان الأصل العقلائي ؛ أي أصالة كون المتكلّم بصدد بيان مراده الواقعي بالنسبة إلى الخبر الموافق لهم مع وجود الخبر المخالف لهم ، الذي هو بحسب المضمون ضدّ هذا الموافق أو نقيضه .
فكيف يمكن أن يقال : إنّ موافقة الكتاب أو مخالفة العامّة من المرجّحات ؟ إذ معنى المرجّح هو أن يكون سببا لترجيح إحدى الحجّتين على الأخرى بعد شمول دليل الحجّية لكليهما .
وبناء على ما ذكرنا : الخبر الموافق للعامّة أو المخالف للكتاب لا يكون مشمولا لدليل الحجّية أصلا ، فلا يكون من قبيل تعارض الحجّتين بل يكون من قبيل تعارض الحجّة واللاحجّة ، فلا معنى لكونهما - أي المخالفة للعامّة والموافقة للكتاب - من المرجّحات .
هامش
( 1 ) - راجع وسائل الشيعة 27 : 106 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 .