بينهما ولو بضرب من التأويل ؟
ولا بدّ في تنقيح هذه المسألة من التكلّم في مقامين : الأوّل بناء على الطريقية ، الثاني بناء على السببية .
أمّا المقام الأوّل - أي بناء على الطريقية - فحيث إنّ مضمونهما ومؤدّاهما لا يمكن أن يكون مجعولا جمعا - لكونه من اجتماع الضدّين أو النقيضين - مطابقة أو التزاما فلا يمكن كون كليهما طريقا وكاشفا عن الحكم الواقعي ؛ لأنّ طريقية الاثنين وكاشفيتهما جمعا فرع الإمكان واحتمال أن يكون كلاهما مجعولين ، وإلّا فمع العلم بأنّهما جمعا ليسا بمجعولين كيف يمكن أن يقول أحد بأنّ كلاهما جمعا طريق ؟
وحاصل الكلام : أنّه بناء على الطريقية كلّ واحد منهما ليس حجّة في خصوص مؤدّاه ، وأمّا بالنسبة إلى نفي الحكم الثالث فإن كان التعارض بينهما من جهة تنافي مؤدّاهما وعدم إمكان اجتماعهما ؛ لاستلزامه اجتماع الضدّين أو النقيضين فهما يشتركان في نفي الثالث بالدلالة الالتزامية .
مثلا إذا كان هناك روايتان مفاد إحداهما وجوب غسل الجمعة والأخرى استحبابه فهما مشتركان في نفي الكراهة والحرمة والإباحة بالدلالة الالتزامية ، فالمدلول المطابقي لإحداهما الوجوب وللأخرى الاستحباب . ولكن حيث إنّ لازم كونه واجبا وكذلك مستحبّا عدم كونه محكوما بسائر الأحكام الخمسة فهما معا بالدلالة الالتزامية ينفيان غير الوجوب والاستحباب من سائر الأحكام الخمسة .
إن قلت : دلالة الجملة على معنى الالتزامي فرع دلالتها على المعنى المطابقي ، وفي المقام ليس الخبران حجّة بالنسبة إلى مدلولهما المطابقي ؛ لسقوطهما عن الحجّية بالنسبة إليه كما هو المفروض .
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 755
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٧٥٥