الأوّل : أنّ وجود الكلّي الطبيعي عين وجود الفرد لا أنّ له وجود غير وجود الأفراد ، بل بوجود كلّ فرد له يتحقّق وجوده ، فله وجودات بعدد وجودات الأفراد ، ولذلك قالوا : نسبة الكلّي إلى أفراده نسبة الآباء إلى الأبناء لا نسبة أب واحد إلى أبنائه المتعدّدة .
فبناء على هذا وجود طبيعة الحدث في ضمن الحدث الأصغر مثلا غير وجودها في ضمن الحدث الأكبر ، ولا شكّ في أنّ ما هو موضوع ومنشأ للأثر هو وجود الطبائع لا مفاهيمها ، وحيث إنّ المستصحب لا بدّ وأن يكون ما هو موضوع للأثر فاستصحاب الكلّي لا بدّ وأن يكون بلحاظ الأثر وقد عرفت أنّ وجوده دائر بين وجودين متباينين ، فيكون حاله حال استصحاب الفرد المردّد .
وبعبارة أخرى : الكلّي بناء على هذا مفهوم انتزاعي ليس له أثر ومنشأ انتزاعه الذي يكون منشأ لآثار تلك الوجودات المتعدّدة المتباينة ، والاستصحاب لا بدّ وأن يكون بلحاظ تلك الوجودات المتباينة ، فليس اليقين بوجود في البين ؛ لأنّ كلّ واحد من الوجودين أو الوجودات مشكوك الحدوث .
وفيه : أنّ هذا الإشكال وارد ولا مناص منه لو قلنا بأصالة الوجود وأنّها حقائق بسيطة متباينة بتمام ذواتها البسيطة ؛ لعين ما ذكر في الإشكال . وأمّا لو قلنا بأنّه حقيقة واحدة ذات مراتب متفاوتة ، فكلّ نوع من الأنواع وإن كان له وجودات متعدّدة حسب تعدّد وجودات الأفراد لكن بين تلك الوجودات المتعدّدة وحدة سنخية واقعية خارجية لا يضرّ بها التعدّد .
وهذه الوحدة هي التي قلنا : إنّها الموضوع له لألفاظ العبادات في باب الصحيح والأعمّ ، وهذه الوحدة هي التي يعبّر عنها بالوجود السعي للطبيعة ، وإلّا فكلّ وجود شخص والتشخّص مع سعة الانطباق متنافيان .
ولعلّ هذا هو مراد الرجل الهمداني الذي حكى عنه الشيخ الرئيس أبو
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 579
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٥٧٩