لا يعلم أنّ أيّهما هو الواجب المعلوم في البين ، وكذلك لا يعلم أنّ أيّهما الحرام المعلوم في البين ، فيحتمل في كلّ واحد منهما أن يكون واجبا وأن يكون حراما ، وحيث إنّ الموافقة القطعية لكليهما معا غير ممكن ، بل الموافقة القطعية لكلّ واحد منهما مستلزم للمخالفة القطعية للآخر ، ولا ترجيح في البين فالأولى أن يختار الموافقة الاحتمالية لكلّ واحد منهما ، وإن كان مستلزما للمخالفة الاحتمالية لكلّ واحد .
وذلك من جهة أنّ هذا - أي التخيير بين فعل كلّ واحد منهما مع ترك الآخر ، وبين ترك كلّ واحد منهما مع فعل الآخر ، الذي هو الموافقة الاحتمالية لكلّ واحد منهما ، وأيضا المخالفة الاحتمالية لكلّ منهما - أحسن وأولى في نظر العقل وحكمه من الموافقة القطعية لأحدهما مع المخالفة القطعية ؛ لأنّ هذا يرجع إلى ترجيح أحدهما على الآخر من دون مرجّح ، ولذلك قال شيخنا الأعظم الأنصاري قدّس سرّه بهذا التخيير « 1 » .
ولكن هذا الكلام غير تامّ على إطلاقه ، بل لا بدّ وأن ينظر إلى الحكمين المعلومين في البين المشتبهين من حيث المورد ، فإن لم يكن لأحدهما ترجيح من حيث الملاك فمخيّر بمثل ما قال الشيخ قدّس سرّه من فعل أو ترك كلّ واحد منهما ، لكن مع نقيض ما صنع في هذا الطرف في الطرف الآخر ؛ لكي تكون الموافقة الاحتمالية في كلّ واحد من الحكمين وإن كان مستلزما للمخالفة الاحتمالية أيضا في كلّ واحد منهما ؛ أي من الحكمين أو مخيّر بين فعل كلّ واحد منهما جمعا وبين ترك كلّ واحد منهما أيضا كذلك ، وبعبارة أخرى مخيّر بين فعل الاثنين معا أو تركهما معا .
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول 2 : 505 .