نعم ، يعلم بأنّ المتأخّر على تقدير كونه عصرا واقعا فهو بعد ما هو ظهر واقعا ، ولكن هذا المقدار لا يفيد ؛ لأنّه بناء على لزوم أن يكون امتثال التكليف قطعيا من كلّ جهة من جهاته مع إمكانه فهاهنا ليس كذلك ؛ لأنّه مع أنّ القطع بالترتيب ممكن حال امتثال المتأخّر بإتيان جميع المحتملات المتقدّم ثمّ الشروع في إتيان محتملات المتأخّر اكتفى بحصول العلم البتّي بالترتيب بعد الإتيان بجميع محتملات الاثنين ؛ أي المتقدّم والمتأخّر .
وبهذا البيان لا يرد عليه أنّه في الصورة الأولى أيضا لا يعلم بأنّ ما هو الظهر واقعا حال الاشتغال بالعصر متقدّم على ما هو العصر واقعا ؛ لأنّه حال الاشتغال بالمحتملات للواجب المتأخّر لا يعلم بأنّ أيّ واحد منها هو الواجب المتأخّر واقعا ؛ لأنّ الجميع محتمل .
وذلك من جهة أنّه لا ينافي مع اعتبار العلم من جهة أخرى ؛ لإمكان تحصيل العلم من ناحية الترتيب وعدم إمكانه من ناحية القبلة ، وقد قلنا باعتبار الامتثال العلمي من كلّ جهة من جهات الواجب مع إمكانه ، ولذلك لو كان ممكنا له تعيين الثوب الطاهر من المشتبهين ولا يمكن له تعيين القبلة يجب عليه تعيين ثوب الطاهر أوّلا ، ثمّ الصلاة إلى أربع جهات ، لا أربع صلوات مع أحدهما وأربع مع الآخر .
كلّ ذلك بناء على مبناه من طولية مراتب الامتثال .
ولكن المبنى غير صحيح ، وقد تكرّر منّا : أنّ اللازم هو إتيان المأمور به عبادة ؛ أي بقصد القربة بجميع أجزائها وشرائطها وعدم موانعها ، ولا يلزم شيء آخر أزيد من ذلك ؛ لا قصد الوجه ولا التمييز ولا العلم بأنّه هو المأمور به الواقعي ، بل يكفي إتيانه برجاء المطلوبية واحتمال أن يكون مأمورا به .
فلو أتى به بهذا الاحتمال واتفق المصادفة يكفي هذا القسم من الإتيان
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 405
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٤٠٥