وممّا يدلّ على أنّ الرفع في الحديث بمعنى الدفع هو أنّ الموصول في « ما لا يعلمون » المراد به الحكم الشرعي المجهول ، فإن كان في حال الشكّ موجودا وبحديث الرفع يرفع ذلك الحكم الموجود فهذا يكون نسخا ، وهو معلوم البطلان ، وإن لم يكن موجودا فمعناه أنّ الأحكام الشرعية مخصوصة بالعالمين ، وليست مشتركة بين العالمين والجاهلين ، وهذا باطل إجماعا .
فلا مناص إلّا أن يقال بأنّ إنشاء الأحكام الواقعية لمّا لم يمكن شمولها لمرتبة الجهل بها - لما يلزم من تقدّم الشيء على نفسه ، وهو محال « * » - فوصولها إلى تلك المرتبة يحتاج إلى جعل آخر ، سمّيناه بمتمّم الجعل ، وهو في مقامنا عبارة عن وجوب الاحتياط .
فملاكات الأحكام الواقعية مقتضية لجعل وجوب الاحتياط ، وقد جعل وجوب الاحتياط في الشبهات الثلاث : الفروج ، والدماء ، والأموال . وأمّا فيما عداها من موارد الشبهة دفع المقتضيات عن التأثير في وجوب الاحتياط امتنانا على العباد .
لا نقول : إنّ الرفع تعلّق ابتداء بوجوب الاحتياط ، كما قال بذلك الشيخ الأعظم قدّس سرّه « 1 » ؛ لأنّ ظاهر الحديث هو أنّ المرفوع نفس الحكم المجهول .
بل نقول : إنّ الحكم الواقعي المجهول ليس محفوظا ظاهرا وفي رتبته ، وهذا مرجعه إلى دفع تأثير مقتضيات الأحكام المجهولة ، وملاكاتها في وجوب الاحتياط ، وهذا معنى رفع الحكم الواقعي ظاهرا ، ولا يلزم منه تصويب
هامش
( * ) - لأنّ العلم والجهل من الانقسامات الثانوية ، فلا يعقل شمول الخطاب لهذه الانقسامات إلّا بأمر آخر متمّما للجعل الأوّل .
( 1 ) - فرائد الأصول 1 : 323 .