فهما مرتبتان اخرويتان كل منهما درجات فالأولى منهما ما يدركه الروح الانسانية التي تتمكن من تصور المعنى بحدّه وحقيقته منفوضا عنه اللواحق الغريبة مأخوذا من المبادى العقلية ثم لما كان تصرف الحس وما يجرى مجراه في عالم الخلق وتصرف العقل فيما هو من عالم الامر فما هو فوق الخلق والامر جميعا فهو محجوب عن الحس والعقل جميعا قال اللّه تعالى في صفة القرآن
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
فذكر له أوصافا بحسب مراتب ومقامات له أعلاها الكرامة عند اللّه وأدناها التنزيل إلى العالمين ولا شك ان كلام اللّه من حيث هو كلامه قبل نزوله إلى عالم الامر وهو اللوح المحفوظ وقبل نزوله إلى عالم سماء الدنيا وهو لوح المحو والاثبات له مرتبة فوق هذه المراتب لا يدركه أحد من الأنبياء الا في مقام الوحدة عند تجرده عن الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتجاوزه عن العالمين الخلق والامر كما قال أفضل الأنبياء ع لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبيّ مرسل وانما يختص صاحب هذه المرتبة بتلقى القرآن بحسب هذا المقام والإشارة إلى هذا المقام قوله تعالى
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
وأشير إلى مقام القلب والحس الباطن بقوله
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
وبالجملة ان للقرآن درجات ومنازل كالانسان وأدنى مراتبه كادنى مراتبه وروح القرآن ولبّه وسرّه فلا يدركه الا أولو الألباب ولا ينالوه بالعلوم المكتسبة من التعلم والتفكر بل بالعلوم اللدنية ونحن بصدد بيان العلوم اللدنية ؟ ؟ ؟ واثباتها بالبرهان انش وحقيقة الحكمة انما تنال من العلوم اللدنية وما لم يبلغ النفس هذه المرتبة لا تكون حكيما لان الحكمة من مواهب اللّه تعالى
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
وهم الواصلون إلى هذه المرتبة واعلم أن الوحي ان انقطع وباب الرسالة إذا انسدّ استغنى الناس عن الرسل واظهار الدعوة بعد تصحيح الحجة واكمال الدين كما قال تعالى
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
واما باب الالهام فلا ينسد ومدد نور الهداية لا ينقطع لاحتياج الناس لاستغراقهم