تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناط الأحكام — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
إصبعيه اى السبابة والوسطى على ما ببالي فكما كانت النفوس والأرواح في النزول علة للأبدان ومقدمة عليها في الوجود وفيها ورد ان اللّه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فكذا يكون الأبدان مادة ومستعدة لوجود الأرواح في الصعود وفيها ورد إذا سوّيته ونفخت فيه من روحي وقال تعالى ايض
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
فظهر بعون اللّه ان كل ما في قوس النزول من الدرجات والمراتب فهو بعينه موجود في قوس الصّعود وان الصادر الأول مرآة الحق ومثاله ومثله لا مثله كما قال تعالى
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
وقال
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وتاليه مرآته ومثاله وتالي التالي مرآة التالي ومثاله وهكذا إلى كرة الأرض وكذا الامر في الصعود فجميع النزول مثل الصعود وبالعكس وكلّ دان في القوسين مرآة العالي وعكسه فيه فجميع القوسين اى ما سوى اللّه كله مرآة الحق الا ان بعضها ناقص وبعضها تام ولذا سمّى ما سوى اللّه بالعالم لان بعضه يعلم ببعضه الآخر ولان كل واحد منه يعلم به الحق كما انّ بكله ايض يعلم الحق وظهر ايض ان كل عال يعلم جميع ما دونه من علمه بذاته لان ما دونه شعاعه فظهر من جميع ذلك حقيقة معنى قوله تعالى
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
وقوله تعالى مكررا
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها *
ومعنى الحديث الماضي ان اللّه خلق العقل من نوره ثم قال له ادبر فادبر ثمّ قال له اقبل فاقبل فادباره نزول واقباله صعود ولولا مناسبة المراتب وصدق بعضها على بعض لما صدق الادبار والاقبال ولا النزول والعروج كما لا يخفى بعد ما مر

تنبيه قد ظهر مما مر ان درجات الملائكة في النزول مثل درجات الانسان في الصعود وبالعكس

ومع ذلك فالفرق بينهما كثير وعمدة الفرق اشتمال الانسان على الحيوانية والنباتية دون الملائكة وفي الحديث ان اللّه خلق الملائكة من العقل بلا شهوة وخلق الحيوان من الشهوة بلا عقل وخلق الانسان منهما فمن غلب عقله على شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلب شهوته