ح ) تطوّر الكتب الأصولية
أمّا بعد شيخنا الطوسي ، فقد توسّعت فكرة الأصول ، وأنارت مبانيها ، وأصبحت الحياة العلميّة زاهرة بازغة بكتبه الممتّعة في الحقول الإسلاميّة ، سيّما في الفقه الإمامي .
بيد أنّ شخصيّة هذا العملاق العظيم والمجدّد الفائق العلميّة أصبحت كحائل دون رقى هذا العلم ، لم يكن ذلك إلّا تبجيلا وتفخيما وحرمة خلقيّة لهذا المقتدى إلى أن بزغ نجمة الشيخ الأجلّ ، محمّد بن إدريس الحلّي ، ففتح حصار هذا العلم بنوافذ ومناحي مرموقة ، وشحن الخلأ المتوجّد خلال قرن - أو أكثر - من وفاة الإمام المقدام الطوسي .
ولم يشذّ بقيّة الأدوار العلميّة عن مساهمتها عن السبق ، فكان نشو الأصول تدريجيّا ، وعلى مرّ الزمن ، ومسيس الحاجة إلى منتوجات هذا العلم إلى عصرنا الحاضر ، ولسنا بصدد أن نمارس ونسرد في هذا الباب أنّما هدفنا الإيعاز إلى أن علم الأصول أيضا كسائر العلوم والفنون سبقته أدوار كلّ دور منها يكتمن تطوّره الخاصّ ، ويسهم في اكتمال الفنّ ، فالنظرة العابرة لكتاب الذريعة للمرتضى رحمه اللّه ثمّ إلى معالم الدين وملاذ المجتهدين لشيخنا الحسن ولد الشهيد الثاني .
ثمّ إلى كفاية الأصول لشيخنا الكاظم الخراساني وفي نهاية المطاف إلى مجموعة حلقات دروس في علم الأصول هذه الموسوعة المفخّمة المبروكة لسيّدنا الإمام ، محمّد باقر الصدر رحمه اللّه تؤيّد المرام ، وتعطي صورة حيّة عمّا ادّعيناه من التطوّر التدريجي في هذا العلم .
د ) الحلقات أعظم موسوعة أصوليّة
وعليه ، فطبيعىّ أن لا يأمل ولا يتمنّى ناظر الذريعة أن يلمس ذلك النظم الفنّي الذي يلمسه عندما يواجه الكفاية أم التقارير الدارجة ، سيّما في القرن الأخير أصولا وفقها . ولا سيّما حلقات سيدنا الصدر هذا السفر الرسالي المبروك ، والعمل البديع الرائع الفائق على الأقران ، والذي لم يبرز نظيره في حقل الأصول إلى يومنا ، وليس يمكنني اقناع نفسي بمثله في العصور المقربة ، ومع الأسف الشديد لم يقيّم الأثر بثمنه الأغلى ، ولم يبذل المتاع حقّه دراسة وممارسة ، فصدق قول الشاعر :
لمّا عظمت فليس مصر واسعي - لما غلى ثمني عدمت المشتري .
فلنرجع إلى بدء إنّ هذه الحقيقة التأريخيّة حدت إلى خلافات وفروق طفيفة في الكتب المدوّنة في هذا الحقل ، فبعض البحوثات فيها يناهز تأريخ تدوينها الألف ومأتين عاما ، والبعض لا يعدو القرن الواحد ، بل بأقلّ منه ، وظنّى أنّ من أقدمها أصلي : « البراءة » و « الاحتياط » ، ومن أخيراتها