القضية حداه هذه الرّعاية العلميّة لجعل الأصول منطقا يخصّ حقل الفقه فحسب . وإلّا فبالإمكان أن نتوسّع في النطاق ولا نخصّ هذا المنطق للفقه ، بل نعمّه على كلّ علم وفنّ ، بل حتى على منطق أرسطو نفسه .
ب ) الأصول منطق العلوم
لتوضيح الهدف أمثّل للقارئ الكريم ما يساعده في التسرّع فهما وإذعانا :
1 . أنّ من الأصول اللفظيّة المتداولة السّائد بحثها في علم الأصول حجيّة ظواهر الالفاظ ، وأنّها حقيقة وحجّة معتبرة فيما يؤدّي ظاهرتها كلمة أم جملة .
2 . من المسلّم أنّ ركيزة علم المنطق بل كلّ علم وفنّ بل كلّ شيء وقضيّة جزئي أم كلّيّ ، مؤسّسة على تسلّم أصل « امتناع اجتماع النقيضين » ؛ إذ مع إنكار هذا الأصل لا يبقى في الوجود قضيّة يصدّق بها أو يكذّب بها . فلا علم ولا فنّ ، بل ولا حركة ولا حياة . لذلك قال السلف : لولاه لا يستقرّ حجر على حجر حدّ تعبير قدّامي الكتبة .
وبعد تسلّمنا لهذين العنصرين نواصل الكلام بأنّه لو لم يشتمل أصالة حقيقيّة ظواهر الألفاظ لهذا الأصل ، أعني « امتناع اجتماع النقيضين » هل يكون مفيدا لحكم أو منتجا لنتيجة ؛ إذ لو قال قائل : إنّ ذلك يعني غير ما يعطي ظاهرته ، فهل لك ما تعارض به غير أن تسلم ذلك أصلا عميما لا يتقبل الشذوذ والسماح بتاتا ؟
4 . القواعد الأصوليّة والفقهيّة مائزا ومؤشرا
أشرنا مسبقا إلى دور علم الأصول في إعداد أسباب الاستنباط الفقهي . وبيّنّا عمدة الفارق بين القواعد الفقهيّة والأصوليّة ، وأنّ الأولى تخصّ بحثها الخاصّ ومستواها المعيّن على الخلاف من الثانيّة ، فإنّها تشترك في عمليّة الاستنباط وتسهم في الأحكام العديدة في الأبواب المختلفة .
ألف ) العناصر المشاركة والخاصّة
فعلم الأصول يمهّد لنا العناصر المشتركة بينما علم الفقه يزوّدنا بالعناصر الخاصّة هي التي تخصّ ذاك الباب لا يعدو غيره ، كما وأنّ علم الأصول - مضيفا إلى إنتاجه المستبق - يوضح لنا كيفيّة استعمالها في أبواب الفقه ، وتدريجيّة العمليّة ، وأنّها ليست على نهج وحيد وكيفيّة فاردة .
والسلاح الوحيد للفقيه هو هذا التقارن والتطبيق الفنّي ، ونحو إبداء العمل . فكلما يدقّق فيه