أفراده .
قلت : إنّ تقديم الخاص على العام لأحد وجهين :
1 إنّ تقديم الخاص على العام يوجب العمل بكلا الدليلين ، بخلاف العكس ، فانّه يوجب لغويّة الخاص وكون صدوره هزلًا أو تقيّة أو تورية وتمويهاً وكلّ ذلك ينتج إلغاء الدليل .
2 إنّ النظام السائد على ظروف التقنين والتشريع هو فصل الخاص عن العام وذلك لمصالح أهمّها عدم إحاطة المقنِّنين العاديين على المصالح والمفاسد ، فربّما يضعون قانوناً عاماً ثمّ يبدوا لهم أنّ الحكم بسعته على خلاف المصلحة ، فيذكرون المخصّصات والمقيّدات متأخّراً ، وهذا هو السبب في تقديم الخاص على العام في التشريعات البشرية .
وأمّا التشريع الإلهي فهو وإن كان نزيهاً عن الجهل وعن عدم الإحاطة بالمفاسد والمصالح لكن تعلّقت مشيئته سبحانه ببيان الأحكام على سبيل التدريج ، فلأجل ذلك صارت السيرة على ذكر المخصّصات بعد العموم وفصلها عنه زماناً .
وقد اقترح المشركون على النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يأتي بالقرآن جملة واحدة ، فنزل الوحي ردّاً عليه ، بقوله : (
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
) . ( الفرقان / 32 ) فأشار الوحي إلى أنّ في النزول التدريجي تثبيتاً لفؤاد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . أضف إلى ذلك أنّ النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اشتغل في مكّة المكرّمة قرابة ثلاث عشرة سنة بنشر المعارف وتحطيم الوثنية ، فلم تسع له الفرصة بتبليغ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة ، فلمّا هاجر إلى المدينة ، حارب اليهود والنصارى من جانب ، وحارب المشركين في المدينة أو في عقر دارهم من جانب آخر ، وابتلى بالمنافقين في داخل