في فعل الإنسان العاقل المريد لغاية دنيوية أو دينية هو الصحّة ، والغالب على أفعال مثل هذا الإنسان هو الصحّة دون الفساد ، وأنّ الفاسد أقلّ بكثير من الصحيح ، تكون من الأمارات الظنيّة ، ولكن لا تترتّب على النظرية الثانية ثمرة عملية إذ لم يدلّ دليل على حجّية مثبتات الظنون على الإطلاق ، إلّا البيّنة أو قول الثقة ، وفي غير ذينك الموردين لم يدلّ دليل على التعبّد بلوازمها العرفية أو العقليّة ، فلو شككنا في أنّ الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك أو بما يملكه من الدرهم المعيّن فاجراء الأصل في الشراء ، لا يثبت خروج الدرهم عن ملكه .
ويمكن أن يقال : إنّ إثبات اللوازم العقليّة والعاديّة فرع كون الأمارة مفيدة للظنّ القوي بحيث لا ينفكّ الظنّ بها عن الظنّ بالملزوم . وأمّا الظنون الضعيفة ، كالظنّ الحاصل من قاعدة الفراغ أو قاعدة اليد ، أو أصالة الصحّة ، فلا تعدّ حجّة على اللوازم العقليّة والعاديّة فضلًا عن كونها حجّة على الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها ، فانّ الوسائط كلّما كثرت وازدادت ، ضعف الظنّ والوثوق ، فلا يكون كاشفاً عن لازم اللازم .
فما اشتهر بين المتأخّرين من أنّ مثبتات الأمارات حجّة دون الأُصول ليس على إطلاقها ، لأنّ ملاك الحجّية هو كون الأمارة كاشفة عن اللوازم المترتّبة ، بحيث يحصل الظنّ باللازم ، بعد الظنّ بالملزوم ، وهو إنّما يتمّ في الظنون القويّة دون الضعيفة . فانّه فيها يحتاج إلى إمعان النظر والدّقة ومحاسبة الأطراف ، وعند ذاك يكون دليل حجّية ذلك الظنّ قاصراً عن شموله لمثل هذه اللوازم لغيبوبة الظنّ باللازم عند ورود الدليل على حجّية الظنّ بالملزوم .
وباختصار أنّ ضعف كاشفية بعض الظنون بحيث لا يتمثّل في الذهن اللازم عند حضور الملزوم ، يوجب قصور دليل الحجّية وشمولها لإثبات الملزوم واللازم ، بخلاف الظنون القويّة المورِثة للاطمئنان ، فانّ تمثّل اللازم عند تمثّل
المحصول في علم الاُصول — صفحة 369
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٦٩