فإن قلت : قد تقدّم أنّ هذه العناوين أُخذت طريقاً في لسان الدليل ، وعليه يكون المعيار في صدق الرفع هو المعنونات لا أنفسها والمفروض أنّ المعنون أمر عدميّ لا يتعلّق به الرفع .
قلت : المقصود أنّها عناوين طريقية في ذهن المكلّف وقد أخذها الشارع موضوعاً للرفع ، والشارع ينظر إليها بنظر الموضوعية نظير ما ذكرناه من أخذ القطع الطريقي موضوعاً ، أي يأخذ القطع الذي هو طريق عند المكلّف موضوعاً للحكم .
الأمر الثامن : في أنّ المرفوع هو الأثر المترتب على فعل المكلّف :
إنّ المرفوع في هذه الأُمور هو الأثر المترتّب على فعل المكلّف بحيث يكون لفعل المكلّف أثر في الحكم ، وأمّا الأثر المترتّب على وجود الشيء وإن لم يكن هناك فعل كالنجاسة بالملاقاة ولو بإطارة الريح ، فلا يرتفع به وإن صدر منه فعل أيضاً ، لأنّ المفروض أنّ الفعل في هذا الظرف غير مؤثر في ترتب الأثر وعلى ذلك فلو أُكره على شرب النجس يكون الملاقى نجساً ، وحرمة شربه مرفوعة وهذا بخلاف ما لو أُكره على الزنا بالمحصنة ، فلا تكون المرأة محرّمة عليه ، وما هذا إلّا لأنّ النجاسة مترتبة على ذات الملاقاة ، دون حرمة شربه أو حرمة المرأة على الزاني ، فإنّها مترتبة على فعل المكلف ، فيرتفع عند الاكراه .
وبذلك يعلم أنّه إذا أُكره الرجل على ترك الفريضة أو اضطرّ إليه ، فلا يسقط القضاء ، لأنّه مترتب على الفوت بما هو هو ، لا بما أنّه فعل المكلّف .
الأمر التاسع : في تقدّم حديث الرفع على أدلّة أحكام العناوين الأوّلية :
إنّ وزان حديث الرفع ، وزان أدلّة نفي الضرر والحرج . فيقدّم على أدلّة الأحكام الأوّلية ، كتقدّمهما عليها ، وجه التقدّم حكومة الجميع عليها .