فإن قلت : إنّ غاية هذا التقريب سقوط الأمر الظاهري وأمّا الأمر الواقعي المتعلّق بالصلاة بعامّة أجزائها وشرائطها فهو باق بحاله .
قلت : الإشكال كلّه في القول بتعدد الأمر الذي أوقع القائلين به فيما أوقع ، وقد قلنا في مبحث الإجزاء انّه ليس في المقام إلّا أمر واحد يشمل بعرضه العريض جميع الأصناف والأحوال . وإنّما الاختلاف في كيفية امتثال ذاك الأمر الواحد فهنا أمر واحد ، وإن كانت كيفية الامتثال مختلفة ومتعدّدة .
ألا ترى أنّ الأمر الواحد يبعث الصحيح والمريض والحاضر والمسافر إلى امتثال قوله سبحانه : (
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
) ولا يصحّ أن يتفوّه أحد بأنّ الأمر الداعي للحاضر ، غير الأمر الداعي للمسافر بل الداعي واحد ، وإن كان المدعو مختلفاً من حيث الكيفية ولأجل ذلك يقول سبحانه : (
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
) ( النساء / 101 ) . فجعل الواجب في حقّ المسافر قصر الصلاة ، وتقليلها ، لا واجباً آخر .
فإن قلت : الحديث حديث رفع لا وضع ، فالحديث لا يدلّ على أزيد من ارتفاع وجوب الجزء ، والشرط ، وأمّا إيجاب الباقي الفاقد لهما على المكلّف فلا .
قلت : إنّ إيجاب الباقي ليس بحديث الرفع ، بل بنفس الدليل الدال على وجوب الصلاة ، أعني : قوله سبحانه : (
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
) وقد عرفت وجهه عند تقريب الإجزاء ولاحظ أيضاً ما ذكرناه في مبحث الإجزاء .
تفصيل بعض المحققين :
ثم إنّ بعض المحققين فصّل بين نسبة الرفع إلى » ما لا يعلمون « ونسبته إلى » ما أُكرهوا « و » ما اضطرّوا « قائلًا : بأنّ نسبته إلى الأوّل ظاهري ، وإلى الأخيرين واقعي أمّا الأوّل فللقرينة الداخلية والخارجية عليه ، أمّا الخارجية فلأنّ نفس التعبير بما لا يعلم يدلّ على أنّ في الواقع شيئاً لا نعلمه ، إذ الشك في شيء والجهل به فرع وجوده ولو كان المرفوع وجوده الواقعي بمجرد الجهل به ، لكان الجهل به