بالحسن والقبح ضرورة أنّ القطع بالمصلحة أو بالمفسدة لا يغيّر الفعل عمّا هو عليه ، بل العنوان المقبّح في المقام لدى القائل به هو الجرأة والتمرّد والطغيان أو الهتك والظلم ، فلا شكّ أنّها من العناوين المقبّحة .
وبذلك يظهر عدم تمامية الوجه الثاني ، فإنّه مبنيّ على كون القطع بالقبح من العناوين المقبّحة ، فأورد عليه بأنّ القطع ليس مورداً للالتفات ، وقد عرفت أنّ المحسّن أو المقبّح شيء آخر مضافاً إلى منع عدم كون القطع مورداً للالتفات لا إجمالًا ولا تفصيلًا ، فإنّ الالتفات الإجمالي شيء لا ينكر .
وأمّا الثالث : فهو من الغرائب ، إذ ليس الفعل الاختياري إلّا كونه صادراً عن الإنسان بالعلم والإرادة ، فلو قتل ابن المولى بعنوان أنّه عدوّه فقد صدر منه القتل عن علم ، وفي مثال شرب الماء بنيّة الخمر ، صدر منه شرب المائع عن اختيار وليس الملاك في اختيارية الشيء تحقق العنوان الأصلي ، أعني شرب الخمر ، بل يكفي صدور الجامع عن علم وإرادة ، ولأجل ذلك يبطل صومه فيما لو شرب الماء بنيّة الخمر .
هذا كلّه في دلائل المحقق الخراساني ، وقد علمت عدم تماميتها ، ومع ذلك فما ذهب إليه صحيح لكن بدليل آخر ، وهو أنّ العناوين المقبّحة المتوهّمة في المقام لا تتجاوز عن خمسة ، ثلاثة منها قائمة بالجنان كالجرأة والعزم على المعصية والطغيان ، واثنان منها قائمان بالفعل المتجرّى به ، أعني هتك الحرمة والظلم على المولى .
أمّا الثلاثة الأُولى : فهي وإن كانت موجبة للقبح لكنّها قائمة بالجنان والقلب ، والفعل المتجرّى به كاشف عنها ، وقبح المكشوف لا يسري إلى الكاشف ، فلو دلّ فعل المكروه على تواجد الجرأة وروح الطغيان في قلب الانسان ، لا يكون الكاشف موصوفاً بالقبح .
وأمّا الاثنان الباقيان : فهما من خصائص المعصية ، إذ فيها يتعدّى عن حريم
المحصول في علم الاُصول — صفحة 34
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٤