الأمر وقبح عصيانه ، فلو قلنا بأنّ حكمه بحسن هذا وقبح ذاك يكشف عن حكم شرعي مولوي ثان بوجوب طاعته وحرمة معصيته يلزم أن يستقلّ العقل بحسن طاعة ذلك الحكم الثاني وقبح مخالفته ، فلو كشف ذلك الاستقلال عن حكم شرعي ثالث بناءً على جريان قاعدة الملازمة يستقلّ العقل أيضاً بحسن طاعته وقبح معصيته ، فلو كشف ذلك الاستقلال أيضاً عن حكم شرعي رابع يلزم عدم انتهاء الأحكام إلى حدّ ولا المعصية في معصية واحدة ، بل يلزم أن يكون لحكم واحد معاصي كثيرة .
ولأجل ذلك ذهبوا إلى عدم جريان القاعدة في المسببات ، وحملوا الأوامر الواردة في الكتاب والسنّة حول إطاعته سبحانه وإطاعة رسوله على الإرشاد لا المولويّة ، وإلّا يلزم المحذور أيضاً ، أي عدم انتهاء الوجوب عند حدّ وعدم انتهاء العقوبة لدى حدّ .
وحال إرادة المعصية كحال نفس المعصية لا يتعلّق بهما النهي ، ومثله إرادة الطاعة ونفس الطاعة فالكلّ خارج عن حريم الملازمة .
وبما أنّ استقلال العقل بقبح مخالفة القاطع بالحرمة واقع في سلسلة المعاليل ، فلا تجري فيه القاعدة لما سلف .
فاتّضح من ذلك أنّ التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة لو فرضنا كونه قبيحاً لا يستلزم الحرمة وبالتالي لا يستلزم العقاب .
هذه دراسة الأدلّة الأربعة التي تهدف إلى إثبات استحقاق العقاب على المتجرّي وقد علمت عدم كفايتها ، فأقصى ما يمكن أن يقال : استحقاقه اللوم والذم لا العقاب .
هذا كلّه حول المقام الأوّل ، وإليك البحث عن المقام الثاني .
* * *
المحصول في علم الاُصول — صفحة 32
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٢