تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
) ( المائدة / 19 ) فإنّ ظاهر قوله : (
أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
) أَنّه حجّة تامة يصحّ أن يحتجّ به ، ولأجل ذلك ، قام سبحانه بإرسال الرسل ، حتى لا يحتجّ به عليه بل تكون الحجّة للّه سبحانه على العباد (
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
) .
6 (
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
) ( البقرة / 129 ) فالآية صريحة في أنّ التعليم والتزكية لا يتمّان إلّا ببعث الرسل ، فترقّب التزكية في الدنيا والآخرة ، من دون البعث أمر غير ممكن . والكافر أو العاصي لا يكون معذّباً إلّا لعدم التعلّم أو لعدم تحصيل التزكية ، ومن شرائطهما ، البيان والإعلام وإتمام الحجّة .
هذا كلّه حول الصنف الأوّل من آيات الباب وإليك الكلام في الصنف الآخر .
ب التكليف فرع الإيتاء والوسع :
إنّ في الذكر الحكيم آيات تدلّ على أنّ التكليف فرع الإيتاء والوسع وهي :
قوله سبحانه : (
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
) ( الطلاق / 7 ) وقوله سبحانه : (
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
) ( الأعراف / 40 ) وقوله تعالى : (
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
) ( البقرة / 286 ) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المضمار فلاحظ : البقرة / الآية 233 والنساء / 84 .
والاستدلال بالآية الأُولى يتوقّف على كون المقصود من الموصول هو التكليف ، والمراد من قوله سبحانه : (
آتاها
) هو أعلمها ، والمعنى لا يكلّف اللّه نفساً إلّا تكليفاً أعلمها به .