فما أفاده المحقق النائيني من أنّ الاستدلال بالآية ، لا يجتمع مع القول بأنّ مفادها نفي فعلية التعذيب لا الاستحقاق ، لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب الشبهة وعدم استحقاقه ، لا في فعلية العقاب « 1 » غير تام ، لأنّ الهدف من القول بالبراءة هو الإفتاء بجواز ارتكاب مشتبه الحكم ، سواء كان استحق العقاب وعُفِيَ عنه أم لم يستحق ، نعم الهدف من البراءة العقلية هو نفي الاستحقاق ، وأمّا البراءة الشرعية فالهدف أعم ، فلاحظ .
أضف إلى ذلك : أنّ ظاهر الآية هو نفي الاستحقاق وأنّ التعذيب قبل البيان ، لا يليق بشأنه وساحته ، لأنّه أمر قبيح وظلم وعدوان ، فيكون ملازماً لنفي الاستحقاق وأنّ التعذيب مخالف للعدل والقسط .
نعم : لو فسرت الآية ، بأنّ التعذيب مخالف للطفه ورحمته ، لكان لذاك التوهّم مجال .
هذا حال الآيتين ، وأمّا الآيات الأُخر الواردة في هذا الصنف فقوله تعالى : (
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ
) ( الشعراء / 208 ) يشعر بأنّ الهلاك ، كان بعد الإنذار والتخويف ، وأنّ شرطه الإنذار ، وهو كناية عن البيان وإتمام الحجّة .
ومثله الآية الرابعة : (
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
) ( طه / 134 ) فتدلّ على أنّ التعذيب قبل بعث الرسول مردود باحتجاج العباد المذنبين الواردة في الآية وهي قولهم : (
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ
) فلا يصحّ التعذيب ، إلّا بعد إتمام الحجّة عليهم ببعث الرسل .
ويليها في الدلالة قوله سبحانه :
5 (
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ
هامش
( 1 ) - فوائد الأُصول : 334 / 3 .