بعد البعث فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأُمم السابقة « 1 » .
يلاحظ عليه : إذا كان العذاب الدنيوي متوقّفاً على البيان وإتمام الحجّة ، فالعذاب الأُخروي الذي سجّرها الجبّار أولى بالتوقّف .
أضف إليه أنّ قوله سبحانه : (
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ
) وقوله : (
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى
) في الآيتين وإن كانا جملة ماضية ، إلّا أنّهما منسلختان عن الزمان ، إذ هما بمعنى : ليس من شأنه ولا يليق بساحته ، التعذيبُ قبل البيان وإتمام الحجّة من غير فرق بين الدنيا والآخرة ، أو من غير فرق بين الأُمم الماضية واللاحقة ، وأنّ ذلك سنته سبحانه في جميع الأدوار والأزمان .
الثاني : إنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة ، كما هو حال الأُمم السابقة ، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم من حيث هو مشتبه الحكم فهي أجنبية عمّا نحن فيه « 2 » .
يلاحظ عليه : أنّه إذا كان البعث كناية عن البيان والإعلام كما اعترف به ، فيعمّ المشتبه فهو لم يبيّن حكمه ، لا بالعنوان الأوّلي ولا بالعنوان الثانوي . وإن بيّنه الرسول ولكن لم يصل إلينا فيكون التعذيب عليه تعذيباً قبل البيان الواصل ، والمبين غير الواصل ، داخل في غير المبيّن من أساس وهما متّحدان ملاكاً .
الثالث : إنّ مفاد الآيتين ، نفي الفعلية لا الاستحقاق ، والمطلوب للأُصولي هو نفي الاستحقاق ليطابق حكم العقل .
يلاحظ عليه : أنّه لم يثبت أنّ المطلوب للأُصولي نفي الاستحقاق ، ليكون المطلوب غير حاصل من الآية ، بل المطلوب له ، هو تحصيل المؤمّن من العذاب ، وهو حاصل سواء قلنا بأنّ المكلّف الشاك في التكليف بعد الفحص غير مستحق للعقاب ، أو هو مستحق ، لكنّه معفو ، وكلتا الصورتين كافيتان في المقام .
هامش
( 1 ) - الفرائد : 193 .
( 2 ) - فوائد الأُصول : 333 / 3 .