وهذا بخلاف الدليل الحاكم ، فإنّه ينادي بأعلى صوته بأنّه ورد لتحديد المحكوم وتفسيره وتبيين مفاده فأين هذا من ذاك .
ثمّ إنّه إذا كان هذا معنى الحكومة ، فيشك في حكومة الأمارات على الأُصول العملية ، إذ ليس لسان قوله ( عليه السلام ) : » العصير العنبي إذا غلى يحرم « لسان التصرّف في قوله ( عليه السلام ) : كل شيء هو حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه .
ويمكن الإجابة عنه : أنّ الاشكال إنّما يتوجّه لو قلنا بحكومة نفس الأمارة على نفس دليل الأصل ، وأمّا لو قلنا بحكومة أدلّة حجّية الأمارات على أدلّة الأُصول ، فالحكومة بهذا المعنى واضحة جدّاً ، لأنّ لسان أدلّة حجّية الأمارات على القول بأنّ للشارع فيها تصرّفاً وتأسيساً ، هو كون الأمارة علماً عرفياً ، وأنّ السماع عن الراوي كالسماع عن المعصوم مثل قوله ( عليه السلام ) : ما أدّيا عنّي ، فعنّي يؤدّيان ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه في خبر الفاسق : ( حتّى يتَبَيَّنُوا ) فكان خبر العادل متبيَّن في نفسه ، فإذا قيس مثل ذلك إلى قوله : » رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون « يستفاد منه حكومة دليل الأمارة على دليل الأُصول ، لأنّها تحكم في ظرف الشك والجهل ، ودليل الأمارة يصف ظرفه بأنّه ظرف العلم والتبيّن ، فلا معنى للتردّد والشك .
وسيوافيك تفصيل القول في ذلك عند البحث عن التعادل والترجيح .
[ الأول والثاني أصلي البراءة والاحتياط ]
أدلّة القائلين بالبراءة :
قد عرفت أنّ النزاع بين الطرفين صغروي وليس كبروياً ، وأنّ التعذيب قبل البيان أمر قبيح عند الجميع فلا حاجة للبحث عنه ثم إنّ ما استدل به القوم على قسمين :
الأوّل : ما يتحد مفاده مع مفاد البراءة العقلية ، أي قبح العقاب بلا بيان كأكثر الآيات أو جميعها ومن المعلوم أنّه لو تمّ دليل الأخباري يكون وارداً عليه لكونه بياناً للوظيفة حال الشك .