الثالث : الاستدلال بالسيرة العقلائية :
إنّك إذا تصفّحت حال العقلاء في حياتهم الدنيوية ، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بقول الثقة في جميع الأزمان والأدوار وفي تمام الأقطار والأمصار ، ويتّضح ذلك بملاحظة أمرين :
الأوّل : أنّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن أمر صعب ، خصوصاً بالنسبة إلى من يسكن البوادي والقرى مع قلّة المواصلات والوسائل الإعلامية .
الثاني : أنّ القلب يسكن إلى قول الثقة ويطمئن به ويخرج عن التزلزل ، ولأجل ذلك يعدّ عند العرف علماً لا ظنّاً ، خصوصاً إذا كان عدلًا ، ذا ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب .
ولو كانت السيرة أمراً غير مرضيّ للشارع ، كان عليه الردع عن ذلك كما ردع عن العمل بقول الفاسق .
مع أنّك إذا سبرت حياة الأُمم في العصور السابقة ، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بخبر الواحد ، خصوصاً بين أهل القرى والبوادي التي لا يتوفر فيها الأخبار المتواترة ولا المحفوفة بالقرائن ، وأنّ عمل المسلمين بخبر الثقة لم يكن إلّا استلهاماً من السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم .
والحاصل : أنّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً ، لكان هناك الردع القارع والطرد الصارم حتّى ينتبه الغافل ويفهم الجاهل .
ولأجل ذلك نرى أنّه وردت الروايات المتضافرة حول ردّ القياس ، والرجوع إلى قضاة الجور ، وتقبّل الولاية من الجائر لما جرت عليه سيرة العامة من العمل به والرجوع إلى قضاة الجور ، وتقبّل الولاية من الجائرين ، وهي أقل ابتلاء بمراتب