كان المقتضي موجوداً يحسن الحذر ويجب ، ولو لم يكن موجوداً لما حسن ولما وجب .
والحاصل : أنّ مسألة » الحذر « عند الإنذار يدور أمره بين الحسن والقبح ، فبما أنّه يكشف عن حسنه ، يكشف عن وجوبه ، إذ لا معنى لاستحبابه بعد ثبوت مقتضيه .
وعلى ضوء هذه المقدمات : دلّت الآية على لزوم الإنذار على المنذر منفرداً كان أو لا ، بحكم المقدمة الأُولى ، والمطلوب من الإنذار هو الحذر العملي وتطبيق العمل على قوله ، لا الحذر النفساني بحكم المقدمة الثانية ، والحذر بهذا المعنى واجب بحكم المقدمة الثالثة ، فينتج حجّية قول المنذر غير أنّ الأدلّة دلّت على شرطية الوثاقة .
أقول : إنّ المهم من هذه المقدمات هي المقدمة الأُولى ولكنّها غير ثابتة جدّاً . لأنّ الآية عند الإمعان إرشاد إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من تقسيم العمل بين الأفراد ، إذ لولا ذلك لاختلّ النظام ، فتقوم عدة للبناء والعمران ، وأُخرى للخياطة ، وثالثة للفلاحة والزراعة إلى غير ذلك ، ولا تشذّ عن ذلك مسألة الإنذار والتعليم وتعلّم العباد فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافّة ، لاستلزامه اختلال النظام ، ولكن لما ذا لا ينفر من كلّ فرقة طائفة وتسدّ ذلك الفراغ الهائل الحاصل من الجهل بالدين .
هذا هو هدف الآية ويدلّ على ذلك أمران :
الأوّل : العناية بلفظة » كافّة « في الجملة الأُولى وأنّه لا يمكن نفر الكافة ولكن في وسعهم نفر البعض ، وهذا يعرب عن أنّ الآية مركّزة على مسألة تقسيم العمل ، لا على كيفية الإنذار .
الثاني : أنّ الآية لم تذكر الشرط اللازم ، أعني الوثاقة أو العدالة ، فكيف توصف بكونها في مقام البيان مع تركها الشرط اللازم ، وما أتعب به المحقق الخوئي دام ظله من قياس الآية بقوله سبحانه : (
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى