ولكن يرد عليه : أنّه على خلاف سياق الآية ، فالآية واردة في ضمن آيات الجهاد ، فكيف يمكن أن تكون مشيرة إلى هذا المعنى ؟
نعم يمكن الذب عن هذا الإشكال إمّا بالالتزام بنزول هذه الآية مرّتين : مرّة في ثنايا آيات الجهاد ومرّة أخرى مستقلّة ومنفصلة عن آياته ، وليس ذلك بعزيز ، فقد نزلت بعض الآيات مرّتين ، مثل قوله سبحانه : (
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
) ( الضحى / 5 ) .
كما يمكن الذب عنه بوجه آخر وهو أنّ للآية بُعدين يتعلّق واحد منهما بأمر الجهاد والآخر بتحصيل العلم والتفقّه ، والأوّل منهما معلوم من سياق الكلام ، والآخر بعد مجهول يعلم من تفسير الأئمّة وتبيينهم ، ولا مانع من أن يكون لبعض الآيات بعد ان أحدهما معلوم والآخر مجهول يحتاج إلى التنبيه .
ثم إنّ العلّامة الطباطبائي فسّر الآية بوجه يتّحد مع هذا الوجه ، ولكن لا ترد عليه مشكلة عدم انطباقه على سياق الآيات ، وإليك بيانه وإن شئت فاجعله ثالث الوجوه .
الثالث : أنّ الآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول ، أن ينفروا إلى الجهاد كافّة بل يحضّهم على أن تنفر طائفة منهم إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للتفقّه في الدين ، وينفر غيرهم إلى الجهاد ، ومعنى الآية أنّه لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً ، فهلّا نفر وخرج إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طائفة من كل فرقة من فرق المؤمنين ليتعلّموا الفقه ويفهموا الدين فيعملوا به ، ولينذروا بنشر معارف الدين قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون « 1 » .
وعلى ذلك ، فتنفر طائفة للتفقّه في الوقت الذي تنفر طائفة أخرى للجهاد ، فعند ما قضيا حاجتهما يتلاقيان في موطنهما للإنذار والحذر . فتكون للآية صلة بالجهاد ، وصلة بالتفقّه .
هامش
( 1 ) - الميزان : ج 2 ص 428 بتصرف يسير .