أ : أنّ التفقّه ، هو التفهّم ، أي فهم الدين عن عمق وبصيرة ، ولا يجوز أن يكون الإنسان من الذين يقولون (
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
) ( الزخرف / 23 ) ورؤية النصر في الحروب والظفر على أعداء اللّه يوجب ثقة بأنّ اللّه ينصر رسوله والمؤمنين كما قال : (
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
) ( غافر / 51 ) . ولا يُسمّى مثل هذا تفقّهاً في الدين ، أي فهماً لمعارفه وأُصوله وأحكامه وفروعه ولم يستعمل ذلك اللفظ لا في اللغة ولا في القرآن ولا في الحديث في ذلك المعنى .
ب : أنّ النصر لم يكن مطّرداً في كلّ الحروب فربّما كان الانتصار للمسلمين كما في غزوة » بدر « وأُخرى للكافرين كما في غزوة » أُحد « و » حنين « فلا يمكن أن يعدّ مثل ذاك الأمر الذي قد يكون وقد لا يكون غاية للنفر .
ج : يلزم على هذا أن يكون النافرون إلى الجهاد أفقه في الدين من حيث الإيمان والبصيرة من الذين بَقُوا في المدينة وتعلّموا من النبيّ كلّ يوم آية وحديثاً ، اللّهمّ إلّا أن يكون النبيّ مع النافرين لا مع المتخلّفين الباقين .
وما ربّما يقال من أنّ المراد إنذارهم قومهم الكافرين حتّى لا يقاتلوا النبيّ ، إنّما يصح إذا كان الخطاب متوجّهاً لمؤمني سائر البلاد وهو خلاف الفرض ، كما سيتضح .
الثاني : أنّ الخطاب لمؤمني سائر البلاد ، والمراد من النفر هو النفر إلى المدينة وعاصمة العلم والدّين للتعلّم والتفقّه ، وأنّه يجب أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى حضرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيتفقّهوا عنده في الدين ويرجعوا إلى أوطانهم وأقوامهم وينذرونهم لعلّهم يحذرون .
قال الطبرسي : إنّ التفقّه راجع إلى النافرة ، والتقدير ما كان لجميع المؤمنين أن ينفروا إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويخلوا ديارهم ، ولكن لتنفر إليه من كلّ ناحية طائفة لتسمع كلامه وتتعلّم الدّين منه ، ثم ترجع إلى قومها فتبيّن لهم ذلك وتنذرهم ، والمراد من