وإنّما يرجحون أحد الطرفين بأمارات ظنّية ، وتخمينات وخرصيات باطلة .
فالآية تدلّ على النهي بمعنى القسم الأخير الذي لا يستند العامل لا إلى حس ولا إلى عقل . وأين هذا من قول الثقة ، أو الخبر الموثوق بصدوره الذي تدور عليه رحى الحياة ، ويوجب الاطمئنان والثبات .
وهذا حقّ الجواب ، وبه يظهر الجواب أيضاً ما في سورة الحجرات : (
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
) ( الحجرات / 12 ) .
فإنّ الآية تحث على اجتناب الظنّ الذي يدعو إلى التجسّس ، والمنتهى إلى الغيبة ، والظنّ الداعي إلى الثاني ، هو الظنون الواهية في حقّ الأخ المؤمن ولأجل كونه واهياً يقوم بالفحص والتجسس ولا يراه قابلًا للاعتماد ، وهذا أوضح دليل على أنّ المراد هو القسم الثالث ، من المعاني الثلاثة .
وقد أجاب المحقق الخوئي عن الاستدلال بالآيات بوجهين :
الأوّل : أنّ أدلّة حجّية خبر الثقة حاكمة على تلك الآيات إذا قلنا بأنّ مفادها جعل الخبر طريقاً بتتميم الكشف ، فيكون خبر الثقة علماً بالتعبّد الشرعي « 1 » .
الثاني : أنّ أدلّة حجية خبر الثقة مخصصة للآيات الناهية عن العمل بغير العلم « 2 » .
ولا يخفى عدم تمامية الجوابين .
أمّا الأوّل ففيه أوّلًا : أنّه ليس للشارع أيّ تصرف في حجّية قول الثقة إلّا إمضاء السيرة العقلائية ومعه لا وجه لجعل الطريقية وتتميم الكشف ، وثانياً : أنّ
هامش
( 1 ) - مصباح الأُصول : ج 2 ص 152 .
( 2 ) - المصدر نفسه : ص 151 .