المعصية ، في نفس الأكثرية الساحقة من البشر ، يجب على اللّه سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو ، وبالتالي صوناً للخلقة عن العبث .
نعم إذا كانت هذه المبادئ كافية في تحريك الأكثرية نحو الطاعة ولكن القليل منهم لا يمتثلون إلّا في ظروف خاصة ، كاليسر في الرزق ، أو كثرة الرفاه ، فهل هو واجب على اللّه سبحانه ؟
الظاهر لا ، إلّا من باب الجود والتفضّل .
وبذلك يعلم أنّ اللطف المقرّب إذا كان مؤثّراً في رغبة الأكثرية بالطاعة وترك المعصية يجب من باب الحكمة .
وأمّا اللطف في دائرة أوسع من ذلك أي في غير المحصل والقرب ، فلا دليل على وجوبه ، ولا يعدّ تركه منافياً للحكمة ولا ظلماً في حقّ العباد ولنذكر موردين :
1 إذا كان اللطف مؤثّراً في آحادهم المعدودين ، فالقيام به من باب الفضل والكرم لا من باب الحكمة كما إذا كان الغنى دخيلًا في رغبة بعض الناس إلى الطاعة ، أو كان فقره مانعاً من قربه إلى المعصية ، فلا دليل على وجوب إغناء الأوّل وإفقار الثاني إلّا من باب الفضل والكرم لا من باب الحكمة ، وما يجب عليه سبحانه من ذلك الباب ، هو إيجاد الرغبة إلى الطاعة ، والابتعاد عن المعصية على النحو المؤثّر في الكلّ أو الأكثرية الساحقة لئلّا يبطل غرض التكليف . وأمّا تهيئة عوامل القرب من الطاعة والابتعاد عن المعصية حسب طبيعة آحاد الناس ، فليس يلازم ولا يعدّ التخلّف ظلماً ، إذ يكفي الترغيب والترهيب العموميان في تحصّل غرض التكليف .
2 إذا اجتمعت الأُمّة في عصر على حكم خاطئ ممّا يتعلّق بالأحكام العملية فلا يجب عليه سبحانه اللطف ، بمعنى دفع اجتماعهم عليه ، إذ لا تبطل بالاجتماع على الخطاء ، غاية الخلقة ولا غاية التكليف .
وأقصى ما يمكن أن يقال :
المحصول في علم الاُصول — صفحة 194
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٩٤